ثقافة وظيفية جديدة تعزز الثقة بين المواطن والدولة مع ترقب قانون الخدمة المدنية نهاية الشهر الجاري
لم يعد النقاش حول إصلاح النظام الإداري في سوريا مجرد تفكير مثالي أو شعار يُطرح في المناسبات، بل أصبح ضرورة وطنية فرضتها مطالب النمو وإعادة بناء الدولة الحديثة. في هذا الإطار، يأتي مشروع قانون الخدمة المدنية الجديد كخطوة أساسية لتأسيس ثقافة وظيفية جديدة تقوم على النزاهة والمساءلة والانضباط.
القانون الجديد لا يقتصر على تحديث القوانين الجامدة، بل يسعى لتشكيل رؤية معاصرة تعيد صياغة العلاقة بين الموظف والدولة بناءً على مبدأ التوازن بين الحقوق والواجبات. لم يعد الموظف منفذاً للتعليمات فحسب، بل أصبح شريكاً في تطوير الخدمة العامة، مسؤولاً عن أدائه ومساءَلاً أمام المجتمع والقانون.
الدكتور إياس الحمدان يشير إلى أن القانون يمثل تحولاً نوعياً نحو إعادة الثقة بين المواطن والدولة، لأنه يبني ثقافة مؤسسية تربط بين الأداء والمساءلة وتضمن حماية حقوق الموظفين والمواطنين. كما يعتبر الباب السادس المتعلق بالالتزامات والمساءلة الوظيفية ركيزة في هذه الرؤية، حيث يعزز الانضباط المؤسسي، ويركز القانون أيضاً على الشفافية، ويؤكد على منع تضارب المصالح ومحاربة الفساد، وتعزيز العدالة الوظيفية التي توفر المساواة وتتيح للموظف حق الاعتراض بشكل عادل.
كما يعزز القانون مفهوم العمل الجماعي داخل المؤسسات الحكومية، ويؤسس لبيئة محفزة تدعم الإبداع وتحمي صحة الموظف الجسدية والنفسية. لا يكتفي القانون بالنصوص النظرية بل يقترح إجراءات ملموسة لتطبيقها، منها التدريب الدوري على قيم النزاهة وأخلاقيات الوظيفة، إنشاء منصات إلكترونية لمراقبة الأداء واستقبال الشكاوى، وربط المكافآت والترقيات بمعايير واضحة وشفافة، ودعم ثقافة الإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين.
يستند القانون الجديد إلى تجارب الإصلاح الإداري الناجحة عالمياً من خلال الحوكمة الوظيفية، التي تضمن وضوح المسؤوليات والمساءلة، وإدارة الموارد البشرية الاستراتيجية التي تعامل الموظف كرأس مال بشري. يتم استخدام الرقمنة لتعزيز الشفافية وتسريع الإجراءات والحد من البيروقراطية، مع السعي لتحقيق تنمية مستدامة عبر تمكين الشباب والمرأة وتوفير فرص متكافئة للجميع.
ويشير الدكتور الحمدان إلى أن مشروع قانون الخدمة المدنية ليس مجرد نص تشريعي، بل خطوة عملية لبناء نظام إداري حديث قادر على استعادة الثقة مع المواطنين وتأسيس بيئة عمل مهنية وعادلة. وتجري اللجنة المكلفة إعداد الصياغة النهائية لمشروع القانون اجتماعات مكثفة برئاسة الوزير محمد حسان السكاف، حيث ناقشوا مؤخراً الباب السادس المتعلق بالالتزامات والمساءلة الوظيفية، الذي يعد محورياً في إعادة هيكلة العلاقة بين الموظف والحكومة.
تمحورت النقاشات حول تعزيز الانضباط المؤسسي وترسيخ الشفافية والمساءلة والالتزام الوظيفي. كما تطرقت المناقشات إلى المحظورات المهنية، وتضارب المصالح والعقوبات التأديبية التي تؤكد على العدالة الوظيفية. وتهدف الوزارة إلى تكثيف اجتماعاتها لضمان استكمال الصياغة النهائية لمشروع القانون قبل نهاية الشهر الحالي، تمهيداً للانتقال إلى مرحلة الإقرار الرسمي، وإطلاق قانون حديث يُعيد تنظيم الوظيفة العامة في البلاد على أسس الكفاءة والانضباط والعدالة.


