التوحد مسيرة معاناة للطفل وأسرته
تسجل حالات التوحد زيادة واضحة، وسوريا ليست بمنأى عن هذا التوسع، إذ تواجه تحديات فريدة إثر سنوات من النزاع والأزمة الإنسانية المستمرة. التوحد، أو ما يُعرف باضطراب طيف التوحد (ASD)، هو حالة تنموية عصبية تؤثر على التفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوك.
وترى المتخصصة النفسية مها تقي الدين أن التوحد يظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من الحياة ويؤثر على التطور الطبيعي للدماغ في مجالات الحياة الاجتماعية ومهارات التواصل، حيث يواجه المصابون صعوبات في التواصل اللفظي وغير اللفظي والتفاعل الاجتماعي، فضلاً عن الأنشطة الترفيهية، مما يؤدي إلى صعوبة في التواصل مع الآخرين والانخراط في العالم الخارجي. وأوضحت تقي الدين أنه لا توجد إحصاءات دقيقة وشاملة توثق عدد المصابين بالتوحد في سوريا.
ويعود ذلك إلى ضعف النظام الصحي، حيث تسببت الحرب في تراجع واسع في بنية الرعاية الصحية التحتية، بما في ذلك مراكز التشخيص المتخصصة. يضاف إلى ذلك نقص الوعي المجتمعي إذ غالباً ما يُفسر سلوك الطفل على أنه مجرد “خجل” أو “عناد”.
وبينت تقي الدين أن خوف الكثير من الأسر من الوصمة الاجتماعية يؤدي إلى تأخر في تشخيص الحالة وطلب المساعدة المناسبة، وأشارت إلى أن التقديرات العالمية تشير إلى أن طفلاً من بين كل 36 طفلاً يعانون من التوحد، مما يعني وجود عشرات الآلاف من الحالات في سوريا، ومعظمها غير مشخصة رسمياً ولا تتلقى الدعم المناسب.
وحددت تقي الدين التحديات، منها صعوبة التشخيص نتيجة قلة المراكز المتخصصة التي توجد فقط في بعض المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، حيث تكون تكلفتها مرتفعة نسبياً. كما أن الوضع الاقتصادي المتدهور يساهم في تعقيد توفير العلاج الضروري، في ظل نقص الكوادر المؤهلة نظراً لهجرة العديد من المتخصصين خلال سنوات الحرب. وتشير تقي الدين إلى أن التوحد في سوريا هو قضية تحتاج إلى استجابة شاملة وطارئة.
رغم هذه التحديات، هناك جهود فردية ومحاولات من جمعيات أهلية تسعى لسد الفجوة من خلال تقديم العلاجات السلوكية والتربوية. ويعتمد العديد على تحليل السلوك التطبيقي (ABA) الذي يعزز المهارات المرغوبة لدى الأطفال، ولكن بتكلفة عالية. كما تُقدم عيادات متخصصة العلاج النطقي والوظيفي لمساعدة الأطفال على تطوير مهارات التواصل والفهم الحركي. إضافة إلى ذلك، يُعتبر تدريب الأسر على التعامل مع أطفالهم محورياً لتحسين الحالة.











