القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

"الكبيبات بسلق" وجبة شتوية تقليدية من المناطق الريفية الساحلية
منوعات

“الكبيبات بسلق” وجبة شتوية تقليدية من المناطق الريفية الساحلية

تعد وجبة “الكبيبات بالسلق” من الأطباق التي تعبر عن ذاكرة الريف الساحلي، والتي تعتبر جزءاً من التراث الثقافي للساحل السوري، لا سيما في المناطق الريفية بجبلة. تعتبر هذه الوجبة الشتوية المحبوبة رمزاً للضيافة، حيث تتجلى فيها مكونات الأرض وكرم أهلها، ويتم تناقل طريقة إعدادها عبر الأجيال.

“الكبيبات بالسلق”.. حكاية أكلة تقليدية تختلف عن الكبة المعروفة

يعتقد البعض أن الكبة هي أكلة حلبية بالدرجة الأولى، ولكن قليلون يعرفون أن لأهل الساحل السوري نوعاً خاصاً بهم يختلف في المكونات وطريقة التجهيز. “الكبيبات بالسلق” هي نوع من أنواع الكبة التي تعتبر جزءاً من الأكلات التراثية المنتشرة في ريف الساحل، وخصوصاً في فصل الشتاء مع توفر السلق الأخضر. ما يميز “الكبيبات بالسلق” هو مكوناتها التي تجمع بين البساطة والتغذية، حيث تصنع عجينتها من البرغل الناعم، وتُحشى بخليط من السلق المفروم مع البصل وزيت الزيتون، ويتم سلقها في الماء المغلي بدلاً من القلي. ورغم بساطتها، تحمل هذه الأكلة ذكريات جميلة تتوارثها الأجيال.

صورة حيّة من التراث الشعبي

السبعينية عليا أشارت إلى وصفة الكبيبات التي لا تزال تُحضر في بيتها كما كانت تفعل والدتها، حيث لا تزال النساء في العائلة يجتمعن في الشتاء لتحضيرها، وأوضحت: قد يُضاف اللحم أحياناً، لكن تظل الكبيبات بالسلق ألذ وأطيب عندما تحضّر بالمكونات النباتية فقط. بينما الستيني أبو زكريا يتذكر أيام والدته وزوجته قائلاً: في يوم إعداد “الكبيبات”، كان المنزل يبدو وكأنه يحتفل بيوم خاص، إذ كانت أمي ومن بعدها زوجتي يقضيان نصف النهار في التحضير.

أكلة تجمع العائلة وتتوارثها الأجيال

في يوم الجمعة، تُجمع الخالة أم علي (80 عاماً) أبنائها وأحفادها لتناول وجبة الكبيبات بالسلق، فتقوم بقطف أوراق السلق من حديقتها، وتحضير الحشوة عبر سلق السلق المفروم ثم إضافة التوابل مثل دبس الفليفلة، الفلفل الأسود، وعصير الليمون أو السماق. وتوضح السيدة أم علي: يحتاج حشو العجينة إلى دقة خاصة، بحيث لا تكون سميكة جداً، وعند الانتهاء، تُسلق الكبيبات وتُقدم مع تغميسة الثوم وزيت الزيتون وعصير الليمون.

بقايا الطعام.. لا شيء يُهدر

في إحدى قرى جبلة، تجتمع الجارات لتحضير وجبة الكبيبات بالسلق عدة مرات في الأسبوع طوال فصل الشتاء. تُؤكل الكبيبات ساخنة، حيث تفقد الكثير من طعمها إذا كانت باردة. وتقول أم محمد مطيعة: إن الكبيبات التي تبقى لليوم التالي تُقلى بزيت الزيتون وتأكل ساخنة مع أنواع شوربة مختلفة بدلاً من تغميس الدبس. أم أيمن تقول إنهن يحرصن على ترك بعض العجينة والحشوة لتحضير طبق جانبي يدعى “الدعيبولات” حيث تُشكل كرات صغيرة وتُغلى مع بعض الحبوب للحصول على حساء لذيذ.

الكبيبات بالسلق.. طبق الهوية الشعبية

لكل منطقة في سوريا طبق تراثي يميزها، وغالباً ما يكون الطعام مرتبطاً بالعادات الغذائية أو المكونات المتوفرة في بيئتها. في الريف الساحلي، تعتبر “الكبيبات بالسلق” الطعام التقليدي الأكثر استقبالاً للزوار، إذ يعبر عن هوية المنطقة. يتم إعداد هذا الطبق بشكل خاص في يوم عيد البشارة كجزء من الاحتفالات التقليدية، ويظل وجبة أساسية ضمن الأكلات الصيامية.

التأصيل في التراث الشعبي

يؤكد الباحث في التراث الشعبي نبيل عجمية أن الموروث الشعبي هو الرابط الحي بين الأجيال. في الساحل السوري، يُعتبر إرث الأجداد جزءاً من ذاكرة الناس، ويوثق عبر الأطعمة، الأغاني، والأمثال الشعبية. ويضيف: لكل موسم أغانيه الخاصة، وأهل الساحل يتغنون بمواسم الكبيبات بأغانٍ تعكس روح الطعام.

تعبير حي عن أصالته

“الكبيبات بالسلق” أكثر من مجرد وجبة، فهي تجسيد لروح المجتمع الساحلي وتعبر عن أصالته، موروثه، وتقاليده التي تتجدد عبر الزمن.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك