بين وعد الفعالية وعبء النفقات.. مختص: تفوق تحرير الطاقة الكهربائية يتوقف على تأسيس نظام يوازن بين الحيثيات الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي

بين وعد الفعالية وعبء النفقات.. مختص: تفوق تحرير الطاقة الكهربائية يتوقف على تأسيس نظام يوازن بين الحيثيات الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي

سياسات الانفتاح الاقتصادي تعتبر واحدة من النماذج البارزة لإعادة الإعمار الاقتصادي بعد عقود من التخطيط المركزي والفساد، وتهدف إلى تحرير الأسواق، وخصخصة المنشآت العامة، ورفع الدعم بهدف تحسين كفاءة استخدام الموارد وجذب الاستثمارات. وأوضح الخبير الاقتصادي عبد الله أوبان، الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من فرنسا، أن الحكومات تدافع عن هذه السياسات بأنها تهدف لتحسين الخدمات وتقليل الهدر، إلا أن البعض يخشى من ارتفاع التكاليف المعيشية وانخفاض العدالة الاجتماعية. في سوريا، يتم اقتراح تحرير قطاع الكهرباء كحالة للدراسة، بين خيارين: الاستمرار في تقنين الكهرباء أو تبني نظام تحرير الأسعار. سواء كان تحرير الأسعار مع بقاء الإدارة بيد الدولة أو خصخصتها، هناك فوائد ومخاطر لهذا التحول. وأشار أوبان إلى ضرورة دراسة هذه الفوائد والمخاطر على المدى القريب والبعيد، مع الاستناد إلى تجارب دولية ناجحة، وتقديم توصيات بناءً على ذلك.

من جانبه، أشار الدكتور أوبان إلى أن نموذج الانفتاح الاقتصادي يعتمد على فلسفة “الليبرالية الجديدة” التي تدعو لتحرير الأسعار وتقليل الدعم الحكومي، وتعزيز دور القطاع الخاص في إدارة الموارد بشكل أكثر فعالية مقارنةً بالبيروقراطية الحكومية. في قطاع الكهرباء، يشير ذلك إلى:

1- تحرير الأسعار: توجيه الأسعار لتغطية التكلفة الحقيقية للإنتاج والتوزيع بدلاً من الحصول على دعم حكومي.
2- خصخصة الإنتاج: السماح للقطاع الخاص بالمشاركة في توليد وتوزيع الكهرباء.
3- تطبيق نظام الشرائح الاستهلاكية: فرض أسعار تدريجية تعتمد على كمية الاستهلاك لتحقيق العدالة، حيث يدفع المستهلكون الأكثر استهلاكاً أسعاراً أعلى.

تاريخياً، كانت سوريا تتراوح بين أنظمة اقتصادية متعددة، من نهج السوق الحر بعد الاستقلال إلى النظام المركزي الاشتراكي تحت حكم البعث، مما أوجد اقتصاداً يفتقر إلى التنوع والديناميكية، ويسوده الفساد. وكان من المفترض أن تعالج السياسات الاقتصادية هذه المشكلات، لكن التجارب الدولية تُظهر نتائج مختلفة.

وأشار الدكتور أوبان إلى فوائد ومزالق تحرير قطاع الكهرباء على المدى القصير:

1- تحسين الخدمة: تأمين إمداد كهربائي ثابت وسليم، ما يُحسّن ظروف الحياة اليومية والنشاطات الاقتصادية البسيطة.
2- تحفيز الاستثمارات: جلب استثمارات محلية ودولية في البنية التحتية لقطاع الكهرباء، كما حدث في دول مثل تركيا.

أما السلبيات فهي:

1- ارتفاع تكاليف المعيشة: زيادة في فواتير الكهرباء، مما يضع عبئاً إضافياً على الأسر ذات الدخل المحدود.
2- الاضطرابات الاجتماعية: غالباً ما تثير سياسات سحب الدعم احتجاجات شعبية.

وفي المدى الطويل، تشمل الفوائد:

1- استدامة القطاع: ضمان الاكتفاء الذاتي عبر تعريفات تغطي التكلفة وتدعم التطوير المستمر، مثل الاقتصاد الاجتماعي الذي حاولت سوريا تبنيه سابقاً.
2- العدالة الاجتماعية: نظام الشرائح يضمن دعماً غير مباشر للأسر ذات الدخل المنخفض عبر تعريفات منخفضة، في حين تموّل الشرائح الأكثر استهلاكاً من قبل الفئات الأخرى.

أما السلبيات فتشمل:

1- تركز الثروة: تحول المرافق العامة إلى أسواق تحتكرها النخب.
2- فشل النهج الليبرالي المتطرف: تجربة النيوليبرالية في الغرب أظهرت نتائج كارثية، حيث أدى تحرير قطاعات مهمة إلى تركز الثروة وتدهور الخدمات، كما في أزمة الكهرباء بكاليفورنيا (2001).

الدكتور أوبان أشار أيضاً إلى أن النموذج الفاشل في أمريكا اللاتينية أظهر أن التحرير غير المنظم أدى لزيادة الفقر وعدم المساواة. بينما أثبت النموذج الألماني، باعتماده “اقتصاد السوق الاجتماعي” بعد الحرب العالمية الثانية، نجاحه بجمعه بين فعالية السوق وتدخل الدولة لضمان العدالة، مما ساهم في إعادة الإعمار وتحقيق نمو شاملاً.

وأوصى أوبان ببعض الخطوات للنجاح، أولها الدعوة إلى شروط تحرير عادلة، بحيث يكون التحول تدريجياً مع وجود ضوابط صارمة تمنع الاحتكار وتحقق شفافية التعرفة. كذلك ينصح بإنشاء هيئة رقابية مستقلة ومراجعة دخل المواطنين بما يتناسب مع أعباء الكهرباء. وأيضاً، ينبغي تفعيل دور المجتمع المدني من خلال تشكيل لجان محلية للمراقبة والمحاسبة، والمشاركة في تصميم شرائح الاستهلاك. التركيز على حلول وسطية بتبني اقتصاد مختلط يجمع بين كفاءة القطاع الخاص والعدالة الاجتماعية. ويوصى بالاستفادة من الدعم الدولي للحصول على برامج دعم فني وتمويلي لتطوير القطاع دون تحميل المواطن كامل التكلفة.

في ختام رؤيته، أكد أوبان أن تحرير قطاع الكهرباء في سوريا ليس خياراً بين “التحرير” و”التقليد”، بل هو السعي لمنهج وسطي يوازن بين الفوائد الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، ويمنع استغلال النخب الجديدة لهذا القطاع الحيوي. النجاح يعتمد على بناء نظام يحقق هذا التوازن، مما يحول التحدي إلى فرصة حقيقية لإعادة البناء.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك