الرفاه النفسي.. بين تهمة الخجل والسعي للعلاج
الحرية – بقلم رنا الحمدان:
تشهد مدينة طرطوس الهادئة تحولاً تدريجياً في النظرة إلى الطب النفسي، حيث أصبح الاهتمام بالصحة النفسية أكثر وضوحاً، خاصة بعد تأثيرات الحرب والأزمات المتعاقبة. لم يعد الحديث عن الطب النفسي رفاهية أو موضع خجل، بل بات ضرورة ملحة تشمل جميع الأعمار والفئات، ليتحول الطبيب النفسي إلى خط الدفاع الأول في مجتمع متعب بسبب الأزمات.
تفاقم الاضطرابات بعد الحرب
يقول الدكتور حسام ملحم، متخصص في الطب النفسي ومعالجة الإدمان والاضطرابات العصبية، ومدرس في جامعتي طرطوس والأندلس، إنه منذ أكثر من عقد جاء إلى طرطوس بعد عمله في حلب، وفي هذه الفترة لاحظ تغيرات كبيرة في الحالة النفسية للناس. رغم ثبات نسب بعض الأمراض عالمياً، إلا أن نسب الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة والهلع تضاعفت في سوريا بسبب الحرب والزلازل والضغوط الاجتماعية. ويضيف أن هذه الظروف ساهمت في زيادة الوعي بأهمية الاستشارة النفسية، حيث أصبح الناس يتحدثون عن صحتهم النفسية بجرأة أكبر، رغم أن بعضهم لا يزال يعتبر ذلك وصمة عار.
وعي يتحسن ببطء
يشير الدكتور ملحم إلى أن عدد الأطباء النفسيين في سوريا لا يتعدى المئة، بينما تحتاج محافظة طرطوس وحدها ما بين 200 إلى 300 طبيب لتلبية احتياجات المرضى، بمعدل طبيب لكل عشرة مرضى. حاليًا، يوجد خمسة أطباء فقط في المحافظة. ويشجع د.ملحم طلابه الجامعيين على اختيار هذا التخصص النادر الذي يزداد الطلب عليه، مشيرًا إلى أنه يعمل حاليًا مع جمعيات ومنظمات محلية تقدم جلسات دعم نفسي مجانية. ويؤكد أن الطب النفسي تطور إجبارياً خلال الحرب، حيث اضطر الناس للاعتراف بالمشكلة وطلب العلاج بعد أن كانت الفترات السابقة تتسم بالكتمان وعدم الاعتراف.
بين العلاج الدوائي والسلوكي
يوضح د.ملحم أن العلاج يتكون من ثلاثة أجزاء: الدوائي، السلوكي، والنفسي. يمكن للكثير من الحالات الشفاء تماماً إذا التزمت بالعلاج. ورغم أن الخوف من الأدوية النفسية لا يزال شائعاً، إلا أنها تشبه أدوية الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكري، ويمكن وقفها بعد الشفاء، إلا أن المفاهيم الخاطئة تجعل البعض يتأخر في طلب المساعدة، مما يعقد حالتهم.
التعامل مع الألم
تتحدث فاتن خميس، مختصة اجتماعية وأسرية في جمعية حماية وإرشاد الأسرة في طرطوس، عن الدور المتزايد للجمعيات في دعم الصحة النفسية. تقدم الجمعية جلسات إرشاد وعلاج نفسي، وتضم أقساماً للأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة، بالإضافة إلى دورات تدريب المتطوعين. وتضيف أن الواقع النفسي للأفراد صعب نتيجة الضغوط اليومية والفهم الخاطئ للعلاج النفسي، حيث يظن البعض أنه للمجانين أو الضعفاء، ولكنه في الواقع وسيلة للحفاظ على التوازن النفسي والعناية بالذات. وترى خميس أن الحل يكمن في نشر الوعي حول الصحة النفسية، وتفعيل دور الجمعيات والمبادرات المجتمعية، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة دون تردد.
تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل
اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك


