نتناول ما ليس من طبيعتنا… فلماذا نُدهش من العلة؟
تتغير علاقتنا مع الأطعمة بشكل أسرع مما نتوقع، فننتقل من مطابخ كانت تعد فيها الوجبات بعناية، إلى مأكولات سريعة لا تتناسب مع ذوقنا أو بيئتنا الغذائية. تتمسك بموائدنا عناصر غير مألوفة، تتصف بارتفاع الدهون والصوديوم، لتصبح جزءاً من حياتنا اليومية دون أن ندرك التأثير الصحي المترتب عليها على المدى البعيد. تتسع الفجوة بين ما كنا نستهلكه وما نأكله الآن، لتتحول العادات الغذائية إلى تحدٍّ هادئ يدفع ثمنه الجسد.
التغير في عادات تناول الطعام لم يكن عفوياً، فالوجبات المحضرة منزلياً والمعتمدة على مكونات محلية بدأت تضمحل لصالح خيارات سريعة تعتمد على الزيوت والمواد المضافة. بمرور الوقت، بات هذا التغيير يشكل أزمة صحية خفية: إجهاد، ضعف في المناعة، زيادة في الوزن، وظهور أمراض جديدة. المطبخ السوري التقليدي، وخاصة الريفي، يقدم نموذجاً غنياً بالألياف والفيتامينات والعناصر الطبيعية: البرغل، الحمص، العدس، الزيت البلدي، الخضار الموسمية، والدبس. هذه المكونات كانت تعد بمثابة مكملات غذائية طبيعية قبل ظهورها في الأسواق.
الوجبات السريعة تبدو شهية وسهلة التحضير، لكنها تحتوي على دهون يتم تسخينها مراراً، ومستويات عالية من المضافات التي تضع الجسم في حالة إنهاك مستمر. المشكلة ليست فقط في السعرات الحرارية المرتفعة، بل في تراكم العناصر الضارة التي تؤثر على القلب وتزيد من حدة الالتهابات وتضعف المناعة.
رأي الدكتورة ريتا خليل، المتخصصة في الأدوية والمكملات الغذائية: المكملات لا تعوض عن التغذية السليمة. المشكلة ليست في نقص الفيتامينات، بل في نمط غذائي كامل فقد قيمته. وتوضح أن العديد من المكملات لا يتم امتصاصها بالشكل المتوقع ولا تعوض غياب الغذاء الطبيعي، لا سيما مع انتشار الأطعمة المصنعة والدهون المهدرجة. ما كان يوفره الغذاء التقليدي من دبس وزيوت طبيعية وبقوليات، أصبح الناس يشترونه اليوم على شكل مكملات. العودة إلى تناول طعام نقي وبسيط أهم بكثير من أي مكملات فيتامين.
كيفية إعادة التوازن إلى موائدنا: طبخ وجبة منزلية واحدة يومياً للتحكم في نوعية الزيت والملح وطريقة الطهي، الحد من الوجبات الجاهزة لتقليل الدهون المتحولة، العودة إلى الأطباق السورية الصحية مثل المجدّرة، واختيار المكونات الموسمية والمحلية لضمان جودة أعلى، وممارسة نشاط يومي لمدة 30 دقيقة لدعم صحة الجسم.
تناول الطعام ليس مجرد نكهة، بل هو ثقافة وهوية وصحة، ومع تزايد الفجوة بين ما نتناوله اليوم وما كانت تعج به مطابخ الماضي، يبدو جلياً أن استعادة التوازن تبدأ من العودة إلى الأسس البسيطة: غذاء طبيعي، مكونات نظيفة، ووجبات تعبر عنا وعن تاريخنا. لا يمكننا العودة تماماً إلى حياة الريف، لكن يمكننا استعادة روحها… تلك الروح التي جعلت الطعام شفاءً والبساطة سرّ الصحة الدائمة.
تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل
اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك


