القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

الـ"سنونية".. بهجة طلوع الأسنان في التراث الشامي
منوعات

الـ”سنونية”.. بهجة طلوع الأسنان في التراث الشامي

في أروقة البيوت الدمشقية وبين العائلات السورية، حيث تمتزج رائحة الياسمين بعبير التاريخ، تنشأ وتزدهر العادات والتقاليد التي تغمرها نسمات من الدفء الإنساني والسرور العائلي. ومن بين هذه التقاليد العريقة تبرز عادة “السنونية” كطقس جميل يحول لحظة ظهور أول سنّ للطفل الرضيع إلى مناسبة احتفاء وسعادة تجمع الأقارب والأصدقاء.

**تحول في حياة الرضيع**

تشير الدكتورة ندى كلاس، الباحثة في التراث السوري، إلى أن لفظة “السنونية” مستوحاة من “السِن”، وهي كلمة محلية تعني السن. تعتبر هذه المناسبة تحولاً هاماً في حياة الطفل، فهي إشارة إلى النمو والصحة، وبداية مرحلة جديدة تسبق الفطام واقتراب الطفل من عالم الطعام الصلب. إنها بشارة خير للعائلة، تدل على متانة الصحة ومرور مرحلة من مراحل الطفولة المبكرة.

**طقوس البهجة والسرور**

ذكرت الدكتورة بأن “السنونية” لا تخلو من طقوس خاصة تختلف من عائلة لأخرى، لكنها تتشابه في الجوهر: التعبير عن الفرح والمشاركة.

**لوحة فنية تبعث السرور**

ويأتي طبق السنونية في قلب الاحتفال. يُعد طبق خاص من الحبوب والبقوليات التي ترمز إلى النعمة والبركة، وأشهرها القمح المسلوق، الذي يُضاف إليه السكر والجوز المقطع. يضاف إليه أحياناً العدس والحمص والسمسم، ويرش فوقه السكر الناعم وجوز الهند. يُزين الطبق بقطع من الحلوى الملونة وأوراق الزهور، ليصبح لوحة فنية تبعث السرور.

عقب تحضير الطبق الزاهي والرائحة الزكية، تبدأ الأم أو الجدة بتوزيعه على الجيران والأقارب والأصدقاء. هذا التوزيع ليس مجرد تقديم للطعام، بل هو إعلان للفرح ومشاركة للبركة، وتذكير بالروابط الاجتماعية المتينة. يتمنى كل متلقٍ للطبق للطفل الصحة والعمر المديد.

وتصاحب توزيع الطبق تبادل التهاني مثل “ربنا يبارك فيك”، و”عقبال ما نشوفه يكبر”، أو الدعاء المشهور “عقبال المئة”. تكون المناسبة فرصة للقاءات العائلية حيث يشارك الجميع في حمل الطفل والابتسام له، وكأن كل من في الغرفة يساهم في تسهيل عملية نمو الأسنان بفيض من الحب والاهتمام.

**السنونية… معانٍ ورموز**

السنونية تتجاوز كونها طبق حلويات إلى كونها نسيجاً اجتماعياً وثقافياً يعكس القيم الراسخة مثل الكرم والمشاركة الاجتماعية، حيث تتحول آلام الطفل إلى تجمع يضم الكبار، والارتباط بالتراث عبر الحفاظ على طقوس توارثتها الأجيال. في زمن تسوده السرعة والتفكك الأسري، تبقى هذه العادات تذكاراً بأهمية البساطة والعائلة والمشاركة. إنها تذكير بأن السعادة الحقيقية تكمن في التفاصيل الصغيرة، وفي قدرتنا على تحويل التحديات البسيطة إلى ذكريات جميلة محفورة في القلب. مع كل طبق سنونية يُوزع، وكل دعوة تُرفع، وكل ابتسامة تُرسم على وجه الطفل، تستمر حلقة من الجمال والتوارث. إنها عادة تختزل روح البيت السوري، بيت الفرح والبهجة والكرم. فتبقى السنونية، بشموعها الرمزية، تنير درب الطفولة، وتظل نغمات فرحتها تتردد في أروقة الذاكرة الشعبية، جيلاً بعد جيل.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك