رجل سبعيني يعيد “الناقوس” إلى الواجهة في دير الزور
اقترب ياسين الكليزي من السبعين بينما لا تزال “الشاخولة” ترافقه دائماً، وهي آلة نفخية مصنوعة من القصب تُشبه الناي، وقد أُطلق عليها هذا الاسم لصوتها الفريد. تحتوي على عدة فتحات تُستخدم لإنتاج النغمات الموسيقية، وتُعَد جزءًا من التراث الموسيقي في منطقة الفرات. تعرف ياسين على هذه الآلة في حفلات الزفاف منذ صغره، حيث تدرّب عليها وأتقن عزفها، إذ كان يُعهد تنظيم الأعراس للـ “الشاعر”، الذي يملك صوتًا عذبًا ويجيد العزف على “الشاخولة”. ورغم التغيرات التي طرأت على الموسيقى وحفلات الأعراس، إلا أن الكليزي لا يزال يحظى بالإعجاب.
منذ نعومة أظفاره، انجذب “ياسين الكليزي”، ابن محافظة دير الزور، إلى الأعراس في قرية حطلة التي انتقل إليها مع عائلته من ريف محافظة الحسكة. أخذ كنيته من عشيرته (الكليزات)، إحدى فروع قبيلة البقارة الكبرى في شرق سوريا. وهناك تعرّف على آلة “الشاخولة”، التي تشبه المزمار أو الناي، وبدأ العزف عليها في سن الرابعة عشرة بعد أن جمع المال لشراء الآلة من مصروفه المدرسي.
ظل الكليزي حريصاً على حفظ أغانٍ شعبية من بيئة الفرات، مثل “الموليّا” و”العايل”. ويقول: “حرصت على إتقان الأغاني الطربية وأغاني الدبكة. مع تطور الحياة، أصبح عملنا نادراً، حيث يفضّل الجيل الجديد المطربين والفرق الموسيقية، لكن الكبار لا يزالون يحرصون على حضورنا. وهناك شبان في مجتمعنا لا يستمتعون سوى بعزف ‘الشاخولة’ وما يرافقها من أغاني ومواويل. ولا تزال هذه الآلة جزءاً من الأعراس في محافظات الشمال الشرقي السوري، حيث تُعرف أحياناً بـ ‘المجوز’. وبينما أقترب من السبعين، لا زلت أعيش متعة العزف والغناء كما لو كنت في بداية حياتي،” يقول ضاحكًا: “حملي خفيف، ولا أحتاج لفرقة موسيقية، فقط شاخولتي وزيٌ عربيٌ تقليدي”.
يرى الباحث في التراث “غسان رمضان” أن العزف على الشاخولة محدود بمنطقة الفرات والجزيرة، ويوجد أيضاً في أرياف حلب وحماة. غالباً ما يجمع العازف على هذه الآلة بين العزف والغناء، خاصة في أداء “المواويل”. ويرى أن ياسين الكليزي يتميز بصوتٍ جميل ومعرفة غنية بموسيقى الفرات. يصف العازف في فرقة الفرات بسام الجاسم العازفين والمغنيين في هذا الفن بأنهم من آخر أيام الزمن الجميل الذي كان يربط الناس ببساطته ومحبتهم. مع الأسف، بدأ هذا الفن في الاختفاء، على الرغم من الجهود لإدماجه مع آلات أخرى. الكليزي قد يكون العازف البارع الوحيد المتبقي، وما زال رغم سنه المتقدم يحمل معه الشاخولة، ويزرع الفرح في كل مكان يزوره. تنتشر فيديوهات عزفه على وسائل التواصل الاجتماعي، لتكون متنفساً للحنين للمغتربين من أبناء الشرق السوري إلى موطنهم وحكاياهم.
تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل
اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

