ازدهار المنتجات ومخاوف الصناعات.. الانفتاح الاقتصادي ليس خطراً بشرط إدارة الواردات

ازدهار المنتجات ومخاوف الصناعات.. الانفتاح الاقتصادي ليس خطراً بشرط إدارة الواردات

لم يمثل الانفتاح الاقتصادي للحياة في سوريا مجرد تعديل في السياسة، بل كان تغييرًا جوهريًا في الحياة اليومية وظهر تأثيره على الأسواق بوضوح. وجدت المتاجر مليئة بالبضائع التي كانت نادرة لوقت طويل، وتزايدت الخيارات أمام الناس مما قلل الإحساس بالنقص. بالنسبة للكثيرين، بدت تلك التغييرات وكأنها عودة جزئية للحياة الطبيعية التي فقدوها.

لكن وراء هذا الإرتياح الظاهر، هناك قلق متعدد الأبعاد ينشأ في أروقة المصانع وورش التصنيع وليس في ساحات البيع فقط؛ حيث تُثار تساؤلات أكبر تتعلق بمستقبل الإنتاج والعمل المحلي.

من وجهة نظر اجتماعية، لا يمكن التقليل من أثر تنوع السلع على المجتمع العام، فالانفتاح منح السوريين فرصة نفسية أكثر من كونها اقتصادية وسط تحديات الغلاء وقلة الخيارات. لكن هذا التحول السريع يخفي خلفه معضلة: سوق مفتوحة في اقتصاد لم يُسترجع إنتاجه بعد.

يرى خبراء الاقتصاد أن المجتمعات المرهقة غالبًا ما تتجه نحو استهلاك مفرط عند الانفتاح، بينما بنية الصناعة ضعيفة، مما يعرض السوق لتحول دائم إلى سوق مستورد بدلاً من كونه مركزًا للنمو والابتكار.

في ظل هذه الظروف، يعرب المنتجون عن قلقهم من منافسة المنتجات الأجنبية الرخيصة والمدعومة في الخارج، والتي تدخل بلدًا يعاني منشآته من ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل والنقل. يشير الصناعي حسن أندرون إلى أن الانفتاح يمثل فرصة للمنتج المحلي بشرط أن يترافق مع تنظيم السوق ودعم فعلي للصناعة المحلية، حيث يلاحظ المستهلك الفرق بين الأسعار والجودة والضمان.

يرى خالد الخالدي، الخبير الاقتصادي، أن التحدي لا يكمن في الانفتاح بحد ذاته، بل في دخول سوق غير منظم. الانفتاح يصبح تهديدًا عندما لا يتم التحكم بمواصفات المستوردات ولا توجد حماية للصناعة المحلية. النتيجة تكون سوقًا تستهلك ولا تنتج، مما يفرض عبئًا مزدوجًا على المجتمع من خلال تراجع فرص العمل وزيادة الاعتماد على الاستيراد.

بعض القطاعات الصناعية السورية لا تزال تحتفظ بمزايا تنافسية حقيقية، مثل الملابس والأثاث وبعض الصناعات الغذائية. هذه القطاعات، على الرغم من سمعتها القائمة على الجودة، تواجه تحديات في التنافس مع السوق المفتوحة وتكاليف إنتاجية مرتفعة ودعم حكومي محدود.

الفرصة ما زالت قائمة لإحياء المنتج المحلي بشرط أن تكون المنافسة وسيلة للتطوير وليس للإقصاء. يدعو الخالدي إلى سياسة انفتاح منظم تحمي الإنتاج المحلي، متضمنة ضبط نوعية المستوردات، مكافحة التهريب، تقليل تكاليف الإنتاج وتقديم تسهيلات تمويلية.

إذا لم تتم إدارة الانفتاح بسياسات تدعم الإنتاج قبل الاستهلاك، قد يتسبب في فرح مؤقت على حساب الإنتاج المستقبلي. لكن إذا تم التعامل معه بشكل صحيح، يمكن أن يكون فرصة لإعادة ثقة جديدة في المنتج المحلي، ليس فقط كخيار وطني، بل كخيار اقتصادي مستدام.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك