الأربعينية الشتوية: بين المعرفة وحكايات الأسلاف
يشكل الانقلاب الشتوي محطة جوية مهمة في سوريا، ولا يقتصر تأثيره على الحسابات العلمية فقط، بل يمتد عميقاً في الثقافة الشعبية التي أوجدت تقويماً دقيقاً للطقس، لا يزال حياً في حياة الناس وأمثالهم حتى الآن.
على مدى آلاف السنين، اعتمد السوريون، خاصة المزارعين، على الخبرة المتراكمة ومراقبة الطبيعة في فهم تعاقب الفصول وتغيرات الطقس، وكانت هذه الثقافة الشعبية بمثابة المدرسة الزراعية الأولى، التي قدمت للبشرية معرفة مبكرة بقوانين الأرض والمناخ.
تعتبر “المربعانية” إحدى أهم مفاصل هذا التقويم الشعبي، حيث تمتد أربعين يوماً من 22 كانون الأول حتى نهاية كانون الثاني، وتعرف ببرودتها الشديدة وأمطارها الغزيرة، حيث شبه الأجداد في الساحل السوري من يتضايق منها بطين الشتاء.
وقد عبر الأجداد عن قسوة هذه الفترة بأمثال لا تزال متداولة، مثل: “لولا الشتاء ما رأينا صيف هني”، “أطول من ليل الشتاء”، “الشتاء شدة”، “إذا أثلجت أفرجت”، و”في كانون كن ببيتك وزود حطبك وزيتك” و”بعيد الميلاد يشتد البرد”.
فلكياً، تبدأ ذروة الشتاء مباشرة بعد يوم الانقلاب الشتوي، الذي يصادف 21 كانون الأول، حيث يعتبر أقصر نهار وأطول ليل في السنة. وأوضح الدكتور رياض قره فلاح، أستاذ المناخ، أن التوقيت الدقيق للانقلاب الشتوي هو يوم 21 كانون الأول، وهو الإعلان الفلكي الرسمي لبداية فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي.
وأضاف الدكتور قره فلاح: يحدث الانقلاب الشتوي عندما تصل الشمس إلى أقصى نقطة جنوبية في مسارها السنوي، ويرتفع فوق الأفق 32 درجة تقريباً، ويحدث نتيجة ميلان محور الأرض، مما يؤدي إلى أقصر نهار وأطول ليل، مع انخفاض قدرة أشعة الشمس على التدفئة.
وبيّن د. رياض أن قوة المنخفضات الجوية تشتد في هذه الفترة فوق شرق المتوسط، يرافقها اضطراب بحري وارتفاع في الأمواج، إضافة إلى رياح قوية واحتمالات تشكل الجليد والضباب، وانعكاسات على الحياة اليومية، مثل زيادة استهلاك الطاقة وتغير أنماط النشاط والنوم.
وأكد الدكتور قره فلاح أن الانقلاب الشتوي، رغم قسوته المناخية، يمثل نقطة تحول إيجابية، إذ يبدأ النهار بالطول من اليوم التالي، وتعتبر هذه المرحلة تقليدياً بداية المربعانية أبرد فترات العام، وفلكياً انطلاق رحلة الشمس نحو الربيع.
بين حكمة الأجداد ودقة العلم، يبقى الانقلاب الشتوي علامة فارقة في الذاكرة السورية، يعلن بداية أقسى أيام البرد، لكنه يحمل وعداً خفياً بطول النهار واقتراب الربيع، مؤكداً أن الطبيعة تمضي دائماً نحو التوازن من جديد.
تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل
اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك
