"إيقاع الدف الأوغاريتي: بين الإبداع الفني والمعاني الروحانية"

“إيقاع الدف الأوغاريتي: بين الإبداع الفني والمعاني الروحانية”

تعتبر لوحة “قارعة الدف” الأوغاريتية من أهم الاكتشافات الأثرية في مدينة أوغاريت القديمة (رأس الشمرة)، حيث تمتاز بالجمع بين الجمال الفني الرفيع والبُعد الثقافي والديني العميق. هذه القطعة العاجية النادرة التي تعود إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تحمل بين طياتها إشارات إلى طقوس موسيقية ودينية مقدسة، وتعتبر شاهداً على ذروة الفنون الأوغاريتية. الدكتور غسان القيم، الباحث في التراث ومدير آثار رأس الشمرة، يوضح في حديثه عن الأبعاد العميقة لهذه اللوحة ودلالاتها الثقافية والفنية.

وفي سياق كلامه عن اللوحة، ذكر الدكتور غسان القيم أن لوحة “قارعة الدف” تعتبر من أجمل المكتشفات الأثرية لمدينة أوغاريت، ليس فقط لما تحمله من جمال بصري، بل أيضاً لما تحتويه من دلالات دينية وثقافية وفنية عميقة، حيث أنها قطعة عاجية نادرة يُرجح تأريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ومحفوظة ضمن مقتنيات المتحف الوطني في دمشق، شاهدة على قمة الفنون الأوغاريتية.

وأضاف القيم: “عند التأمل في التمثال يُلاحظ نعومة التشكيل ورقة الجسد، والشّعر المنسدل على الكتفين ووضعية الجلوس الهادئة التي تنضح بالسكينة والهيبة. كل ذلك يُرجح أن المُجسد امرأة تُقدم في هيئة بعيدة عن العازفة العادية، بل أقرب إلى التجلي الطقسي”.

وتابع قائلاً: “عند المقارنة مع التماثيل المصرية، نجد أن هذا التمثال جعل الباحثين يعقدون مقارنة مع بعض التماثيل المصرية الصغيرة التي كانت تُدفن في القبور لترافق أصحابها في العالم الآخر، ومن بينها تماثيل لعازفات موسيقية، لكن هذه المقارنة تظل محدودة حيث لم ينتقل الدف المستدير إلى مصر إلا في فترة الأسرة الثامنة عشرة، والفن المصري اعتاد تصوير العازفات واقفات أو راقصات.”

واستطرد قائلاً: “من هنا يأتي رأي عالم الآثار الفرنسي الراحل كلود شيفر، الذي نقب عن أوغاريت لأكثر من خمسين عاماً، ليكتسب وزناً علمياً خاصاً، فقد رأى في هذه القطعة تمثيلاً للإلهة عناة، الإلهة السورية ربة الخصب والينبوع والحياة المتدفقة”.

وأشار الدكتور القيم إلى أن النص الطقسي المكتشف في أوغاريت يدعم هذا التفسير، حيث يصف مشهداً احتفالياً تتقاطع فيه الموسيقى مع الغناء، والطقس بالجسد، والقداسة بالجمال، مما يعطي صورة طقسية تربط بين الأرض والسماء في توازن عميق.

وختم الدكتور غسان حديثه قائلاً: “لا يمكن اعتبار لوحة “قارعة الدف” مجرد عمل فني معزول، بل إنها وثيقة صامتة تختصر تداخل الدين بالموسيقى، والأسطورة بالحياة اليومية، والفن بالعقيدة في أوغاريت. إنها قطعة تُظهر أن الموسيقى كانت لغة مقدسة والأنثى كانت محوراً رمزياً للحياة والخصب”.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك