معايير إتمام إعادة الإعمار في سوريا… بين بديل التطور وتحديات الإخفاق
إعادة تأهيل سوريا لم تعد مهمة تقنية مؤجلة أو هدفاً سياسياً واسعاً، بل أصبحت ضرورة اقتصادية ملحّة تضع البلاد أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تنمية حقيقية تستند إلى أسس إنتاجية مستدامة، أو إخفاق يعيد إنتاج الأزمات المعيشية بشكل أكثر صعوبة. واليوم، لم يعد السؤال الأساسي هو متى تبدأ عملية التأهيل، بل كيف تُدار وبأي منطق اقتصادي، ولصالح أي نموذج تنموي؟ هذه تساؤلات لم تعد تحتمل الإجابات العامة أو الحلول المؤقتة.
إعادة البناء ليست مجرد صيانة، بل مشروع اقتصادي شامل. الخطأ الكبير هو اختزال العملية في ترميم البنية التحتية، لكن المهمة الحقيقية هي إعادة بناء الاقتصاد بكافة أطيافه، من الطاقة والزراعة إلى الصناعة والنقل وحتى سوق العمل والخدمات. إنشاء مدن بلا قاعدة اقتصادية قوية أو إطلاق مشاريع دون تشغيل فعلي لا يُعدّ تأهيلاً، بل تنقلاً للأزمة من شكلها العسكري إلى شكلها الاقتصادي، بما يتضمنه ذلك من تضخم وبطالة وتآكل في القوة الشرائية. لذا، يُطرح الآن السؤال حول من سيقود هذه العملية؟ وهل ستكون الشركات المحلية في الصدارة، أم ستكون مجرد أطراف هامشية في مشاريع ضخمة لا تؤثر في الداخل؟
في هذا السياق، يوضح إبراهيم الطيب، الخبير الاقتصادي والصناعي، أن نجاح إعادة التأهيل مرتبط بتعزيز دور الشركات المحلية ومنحها مكانة رئيسية في الاقتصاد، بدلاً من اقتصادها كمقاول فرعي. ويرى الطيب أن عملية التأهيل تمثل فرصة تاريخية لاستعادة مكانة الصناعة الوطنية، بشرط إدارتها بأسس إنتاجية لا استهلاكية، محذراً من أن الإهمال في هذا الجانب يمكن أن يحول التأهيل إلى عبء اقتصادي بدلاً من أن يكون محركاً للنمو.
تحرير الجزيرة السورية واستعادة السيطرة على مواردها مثل تحولاً اقتصادياً مهماً، حيث أعاد ربط الشريان الحيوي للصناعة المحلية بموارد الطاقة والمواد الأولية وتحسين الطرق اللوجستية بين المناطق. عودة هذه الموارد إلى الدورة الاقتصادية الوطنية تُعزز الإيرادات العامة، تخفض تكلفة الإنتاج، وتحسن القدرة التنافسية للشركات المحلية، مما يتيح لها المشاركة الفعلية في مشاريع التأهيل.المنافسة أو الشراكة، لا الإقصاء.
الطيّب يشير إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت الشركات السورية قادرة على المنافسة، وإنما كيف يمكن تمكينها لدخول شراكات متوازنة مع الشركات الأجنبية، مبنية على نقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات، بدلاً من الإقصاء أو التبعية أو تحويل السوق المحلية إلى ساحة تنفيذ مغلقة. الخبرة المتراكمة لدى الشركات السورية في ظروف الحرب جعلتها قادرة على الصمود والتحدي. هذه المميزات تجعلها مؤهلة للمشاركة بثقة في مشاريع التأهيل، لكن بشرط توافر تشريعات وتوفير تمويل وحماية السوق من الاحتكار، وإعطاء الأولوية للشركات الوطنية.
نجاح إعادة التأهيل لا يُقاس بحجم الاستثمارات المُعلَنَة، بل بجودة البيئة الاستثمارية التي تُدار ضمنها العملية، والتي تتطلب استقراراً تشريعياً وشفافية في التعاملات وآليات تمويل واضحة، وربط المشاريع بالعائد الإنتاجي بدلاً من العناوين السياسية. بدون هذه الشروط، تتحول عملية التأهيل إلى سوق مفتوحة للمضاربة بدلاً من أن تكون أداة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني.
النجاح الحقيقي لعملية التأهيل يكمن في خلق فرص عمل طويلة الأمد، تشغيل المصانع وتخفيف الضغط على العملة والأسواق وتقليص الفجوة الاجتماعية، بينما ضخ الأموال دون رؤية اقتصادية لا يؤدي إلا إلى تضخم وأزمة أعمق.
يبقى المواطن هو المؤشر الحقيقي لنجاح أي عملية تأهيل، هل تحسن دخله؟ هل توفرت فرص عمل واقعية؟ هل خُفضت تكلفة السكن والخدمات؟ إذا لم تظهر هذه المؤشرات بشكل مباشر، فإن الإعمار يبقى مجرد خطوة شكلية مهما كانت تكلفته.
إعادة التأهيل في سوريا ليست مجرد عرض للمشاريع، بل هي معركة اقتصادية لإعادة بناء الدولة. تحرير الجزيرة فتح نافذة تاريخية لإعادة التوازن للاقتصاد الوطني، وتمكين الشركات المحلية لتكون لاعباً أساسياً. إما يقود الإنتاج والشراكة والعدالة الاقتصادية عملية التأهيل، أو يكون الفشل هو العنوان مجدداً للأزمة. الوقت لا يسمح للحلول غير الكاملة.
تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل
اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك


