كيف تؤثر شبكات التواصل الاجتماعي على التفكير وبناء الوعي؟

كيف تؤثر شبكات التواصل الاجتماعي على التفكير وبناء الوعي؟

وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتفاعل، بل أصبحت فضاءً يومياً يعيد صياغة الوعي والتفكير والسلوك الشخصي، مما يؤثر بشكل مباشر على فهم الأفراد لذواتهم وللعالم المحيط بهم بين ما تقدمه من انفتاح معرفي وما تفرضه من ضغوط نفسية غير مرئية.

توضح الدكتورة مايا بركات، التي تعمل في كلية التربية بجامعة طرطوس قسم الإرشاد النفسي، أن لوسائل التواصل الاجتماعي تأثير مزدوج، يجمع بين الفوائد والآثار السلبية في تشكيل الإدراك اليومي للأفراد.

تُبرز الدكتورة بركات أن الفائدة الإيجابية تكمن في توسيع المعارف من خلال الاطلاع على ثقافات وآراء متنوعة، وسهولة الوصول إلى المعلومات بشكل لم يسبق له مثيل، مما ساهم في تجاوز الحواجز التقليدية للمعرفة والتفاعل.

لكن هذا الانفتاح يقابله تأثير سلبي واضح، يتمثل في انخفاض القدرة على التركيز لفترات طويلة نتيجة لتعدد المحفزات، وتفضيل استهلاك محتوى سريع وسطحي على حساب التحليل والتفكير العميق. كما يسهم هذا النمط في تضخيم الأخبار الكاذبة وتفضيل المحتوى الجاذب على الدقة، مع صعوبة التمييز بين الرأي والحقيقة وضعف فرص التحليل المعرفي المتأنٍ.

أما بشأن الشعور بالفراغ والتعب النفسي بعد التصفح المطول، تشير الدكتورة بركات إلى أن التدفق المستمر للمحتوى يستنزف الطاقة الذهنية والتركيز، خصوصاً مع التنقل السريع بين الصور والمقاطع المصورة والنصوص.

كما أن المقارنات الاجتماعية السلبية، والتركيز على إنجازات الآخرين، تولّد شعوراً بعدم الرضا والفشل الذاتي. وتضيف أن العلاقات الرقمية السطحية، بالرغم من كثرتها، تفتقر إلى الدفء الموجود في العلاقات الحقيقية، مما يزيد الشعور بالوحدة، إلى جانب الشعور المؤقت بالرضا الذي يتبعه فراغ نفسي أعمق. كما يُستخدم التصفح أحيانًا كوسيلة للهروب من المشاكل وتأجيل المهام، ليعقبه شعور بالذنب بسبب ضياع الوقت دون إنجاز مهم.

تشير الدكتورة بركات إلى أن الاعتماد على الإعجابات والتعليقات في تقدير القيمة الشخصية يحوّل مصدر التقدير من داخلي إلى خارجي، مما ينتج عنه شعور بالنقص حتى لدى الأشخاص الذين يحققون نجاحات فعلية، ويجعل الحالة المزاجية متقلبة وفقاً للتفاعل الرقمي.

كما تُساهم المقارنة الدائمة في صنع تصور غير واقعي عن النجاح، على أنه يجب أن يكون سريعاً ومتتابعاً كما يظهر في الصور والمنشورات، مما يولّد إحباطاً وقلقاً وشعوراً بالتأخر عن الآخرين، ويؤدي إلى تجاهل الجهد والصعوبات الكامنة خلف إنجازات الآخرين، وصولاً إلى فقدان القدرة على الاستمتاع بالنجاحات الفعلية وصعوبة اتخاذ القرارات خشيةً من عدم كونها الأمثل.

وفيما يتعلق بإمكانية تحول وسائل التواصل إلى بديل للعلاقات الحقيقية، تؤكد الدكتورة بركات أنها تبقى بديلاً زائفاً، يحرم الأفراد من جوهر العلاقات الإنسانية القائم على الألفة والثقة والفهم العميق. وتحذر من علامات الاستخدام غير الصحي، مثل تقلبات المزاج المرتبطة بالتفاعل الرقمي، فقدان السيطرة على الوقت، ضعف التواصل الحقيقي، تراجع التركيز، تقدير الذات بناءً على ردود الفعل الافتراضية، والمقارنة المرهقة التي تستنزف الطاقة النفسية.

وتختتم الدكتورة بركات بالتأكيد على ضرورة استخدام وسائل التواصل لتعزيز العلاقات الحقيقية لا استبدالها، تحديد أوقات للتصفح وكسر حلقة المقارنة الضارة وتدوين الإيجابيات والإنجازات الشخصية، وبناء مصادر داخلية مستقرة لتقدير الذات عبر تطوير المهارات والمشاريع الحقيقية وتقدير الذات بشكل غير مشروط.


تابعوا صفحاتنا على وسائل التواصل


اشترك
بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك

  



اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك