تحول “قرد” إلى رمز للتفاعل الإلكتروني.. ماذا عن أعداد الأطفال المحرومين من حضن الأسرة؟
انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي صور لقرد صغير يحمل دمية، القرد “بونش”، الذي وُلِدَ في حديقة حيوانات إيتشيكاوا باليابان ولم تحن عليه أمه بعد ولادته، وحاول الاندماج مع جماعة القرود لكنه قوبل بالرفض والمضايقات. بينما كان يبحث عن شيء يمنحه الأمان، قدَّم له البشر دمية غوريلا محشوة، ومنذ ذلك الحين لم يفارقها. يُبقيها معه في كل تحركاته، ينام بجانبها، ويلجأ إليها حين يشعر بالخوف.
هذه القصة الإنسانية تثير تساؤلاً أعمق: إذا كان العالم يتألم من أجل قرد فقد حضن أمه، فكيف تكون حال الأطفال الكُثر الذين فقدوا عائلاتهم في سوريا وأماكن أخرى من العالم؟
في سوريا، أدت سنوات النزاع إلى فقدان آلاف الأولاد للرعاية الأسرية، مما وضع مؤسسات الرعاية أمام تحدٍ كبير: كيف يمكن توفير الدفء العاطفي والأمن النفسي للأطفال المحرومين، وليس فقط السكن والطعام؟
تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل خمسة أشخاص في مناطق النزاع يعاني من مشاكل نفسية، وفي سوريا، يُعاني عدد كبير من الأطفال من احتياجات نفسية ملحوظة، حيث تُعدّ معظم الاضطرابات النفسية قبل الوصول لسن 24، ويعتبر الانتحار ثالث سبب وفاة بين الشباب عالميًا. على الرغم من ذلك، تُخصص أقل من 2 ٪ من ميزانيات الصحة للصحة النفسية.
وأوضح عاصم إبراهيم، مختص في الصحة النفسية، أن قصة “بونش” تُقدِّم دروسًا في مفهوم التعلق، مشيرًا إلى أن الطفل، سواء كان بشريًا أو قردًا، لا يبحث فقط عن الطعام، بل عن الأمان، وقال إن التعلق يمكن أن يكون بأي شيء يمنح أمانًا، مثل دمية أو هاتف.
ويطرح إبراهيم سؤالًا مهمًا: هل أصبحت مؤسسات الرعاية العربية مثل دمية “بونش”؟ تقدم الطعام والمأوى، لكنها تفشل أحيانًا في تعويض الحضن الذي يحتاجه الإنسان لمواجهة الحياة.
وأكّد إبراهيم أن بعض الأسر البديلة يمكنها أن تحقق نجاحًا في احتضان أطفال ليسوا من دمها بشكل يتجاوز أي مؤسسة، ويشير إلى أهمية الاعتماد على المجتمع السوري في تقديم هذه الرعاية.
وفي السياق نفسه، تطرق خالد الأسمري، مختص علم النفس، إلى أن فقدان الأم يعتبر صدمة تؤثر على مفهوم الأمان الداخلي للفرد، خاصة في سنواته الأولى. وأشار إلى أن هذا الفقدان يؤدي إلى مشاعر قلق حادة، وأن الأطفال قد يجدون راحة في التعلق بأشخاص أو أشياء توفر لهم الأمان.
وهناك تحدٍ مزدوج يتمثل في تقديم الرعاية للأطفال فاقدي الرعاية الأسرية، مع إعادة بناء النظام الصحي والاجتماعي. ولفت الأسمري إلى أن النماذج المؤسساتية التقليدية قد لا تقدم الحل الأمثل، مُشيرًا إلى أهمية الرعاية التي تأتي من المجتمعات المحلية والتي تكون أكثر فاعلية في خلق بيئة داعمة للأطفال.
كما أوضح الأسمري أن العمل على تحويل مؤسسات الرعاية في سوريا إلى “حضن دافئ” حقيقي سيكون خطوة نحو بناء جيل قوي قادر على مواجهة المستقبل بثقة. وأكد أن توفير الاحتياجات الأساسية مثل الطعام والمأوى هو أول خطوة للدعم النفسي، ولكن لا يمكن أن تكتمل الرعاية ما لم يشعر الطفل بالأمان للبحث عن مستقبله.

