التدفق التجاري في سوريا... بين حماية الأسواق وإعادة هيكلة الاقتصاد نحو التصنيع

التدفق التجاري في سوريا… بين حماية الأسواق وإعادة هيكلة الاقتصاد نحو التصنيع

الأسواق السورية تشهد اليوم تنوعاً ملحوظاً في السلع وتبايناً في الأسعار، ولكن دراسة هذا المشهد تتطلب النظر في ما يحدث على مستوى الإنتاج. فالتوسع في استيراد المواد، دون توازن، يمكن أن يؤثر على الاقتصاد الوطني وقدرته على دعم قطاع صناعي قوي ومستدام.

الإغراق التجاري لا يعني فقط زيادة في الواردات، وإنما إدخال منتجات أجنبية بأسعار أقل من تكلفتها الحقيقية بهدف احتلال السوق وإزاحة المنتج الوطني من المنافسة. يتحول الأمر هنا إلى اختلال في توازن السوق.

الخبير الاقتصادي ميسر البغدادي يشير إلى أن خفض الأسعار بفضل السلع المستوردة قد يكون مكسباً للمستهلك، لكنه يحمل تأثيرات سلبية على الصناعة المحلية. عندما يتعرض المنتج المحلي لضغط أسعار غير عادل، تتراجع حصته في السوق ويفقد قدرته على التطوير، وقد يخرج من السوق بالكامل.

المشكلة تكمن في غياب نظام متكامل يوازن بين حرية السوق وحماية الإنتاج الوطني. الأسواق المفتوحة دون إجراءات حماية تؤدي إلى بيئة تنافسية غير منصفة، خاصة إذا كانت السلع المستوردة مدعومة في بلدانها الأصلية.

هذا التراجع لا يؤثر فقط على الإنتاج، بل على النظام الاقتصادي ككل. الصناعة تتطلب استثماراً كبيراً واستقراراً في التشريعات. في بيئة تتسم بتقلب القرارات وارتفاع تكاليف الإنتاج، يصبح الاستيراد خياراً أسهل، مما يعزز اعتماد الاقتصاد على الاستهلاك بدلاً من الإنتاج.

الرسوم الوقائية وتفعيل قوانين مكافحة الإغراق هي أدوات تقليدية لضبط السوق، لكنها لا تكفي بدون معالجة متوازية لجانب العرض المحلي. الصناعة تواجه تحديات متعددة منها تكاليف الطاقة والنقل، وصعوبة التمويل. إذا لم تخفف هذه الأعباء مع فرض رسوم على الواردات، لن تقوى الصناعة المحلية على المنافسة.

الحل يكمن في تخفيض الرسوم على مستلزمات الإنتاج وتقديم إعفاءات للقطاعات القادرة على النمو، مع تحسين التمويل الصناعي، لخلق بيئة جاذبة للاستثمار طويل الأمد.

سعر الصرف يُشكل جزأً من هذه المسألة، فزيادة الاعتماد على الواردات يرفع الطلب على العملة الأجنبية ويؤثر في استقرار العملات. تراجع الإنتاج المحلي يحد من فرص استبدال الواردات أو زيادة الصادرات، مما يفاقم عجز الميزان التجاري.

إعادة صياغة السياسة التجارية يجب أن تتم ضمن إطار تنموي شامل يوفر عناصر متكاملة من مكافحة الإغراق وتقديم حوافز للصناعة، وضمان استقرار السياسات الاقتصادية. هذا لا يعني إغلاق السوق، بل إدارة الانفتاح بكفاءة لتحقيق وفرة في السلع بدون التضحية بالإنتاج.

الاقتصاد الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات يبدو مستقرًا على المدى القصير، لكنه معرض للاضطرابات على المدى الطويل. بينما الاقتصاد المبني على قاعدة إنتاجية متينة يمتلك مرونة أكبر في مواجهة الأزمات وتحقيق نمو مستدام.

المسألة تتجاوز قضية رسوم الجمارك، وتتعلق بتوجه الاقتصاد: هل نحو تعزيز الإنتاج المحلي كدعامة للاستقرار وفرص العمل، أم يستمر في الاعتماد على الخارج؟ القرار يحتاج إلى رؤية اقتصادية متكاملة تعزز الصناعة الوطنية وتمنحها فرصة للمنافسة العادلة في سوق منظم.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك