رجوع المهارات السورية: بين الطموح والحقيقة
بعد أكثر من عشر سنوات من الصراع والنزوح، أصبحت قضية استرجاع الأيدي العاملة السورية المؤهلة من أطباء ومهندسين وخبراء من بين الموضوعات الأساسية المطروحة في الحوار الوطني. وقد غادرت هذه الكفاءات البلاد سعياً وراء الحياة المستقرة والآمنة، واليوم تحتاج سوريا بشدة إلى عودتهم من أجل المساهمة في إعادة بناء مختلف مؤسساتها والبنية التحتية الصحية والهندسية.
يُطرح هنا تساؤل مهم حول جدوى عودة السوريين؟ وما هي المتطلبات الضرورية لتحقيق ذلك؟ وكيف سيتم تنظيم عودتهم؟
أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور سامر رحال أن الهجرة الاضطرارية أوجدت فجوة كبيرة في القطاعات الحيوية مثل الطب والهندسة داخل سوريا. ونوه رحال إلى أن السوريين في الخارج اكتسبوا خبرات ثمينة لكنهم يترددون في العودة بسبب الظروف الاقتصادية المتردية ونقص الخدمات الأساسية، أو خوفهم من فقدان الاستقرار الذي حققوه في دول كبريطانيا وتركيا.
أطلقت السلطات المحلية مبادرات لتسهيل عودة هذه الكفاءات، مثل التعاون بين وزارة الصحة وجمعيات طبية عالمية لتسهيل عودة الأطباء وتسجيل شهاداتهم مع تقديم عقود مؤقتة أو دائمة ودعم لوجستي في المستشفيات المتضررة. تسعى نقابة المهندسين ووزارة النقل لإشراك المهندسين في مشروعات إعادة البناء مع توفير حوافز مادية وعقود واضحة. أما المتخصصون في مجال تكنولوجيا المعلومات والتعليم، فتقدم بعض الشركات والمؤسسات فرص عمل مؤقتة أو خدمات استشارية لتسهيل التحول قبل العودة النهائية.
قام بعض الأطباء السوريين الذين يعملون في أوروبا بالعودة مؤقتاً للمشاركة في تقديم الخدمات الطبية والتدريب في المستشفيات بالريف السوري، وكان لذلك أثر إيجابي على الخدمات الطبية في تلك المناطق.
كما عاد محمد من السويد لإعادة تشغيل مشروعه في حلب وافتتح شركة خدمات كهربائية وظّف من خلالها ستة مهندسين بفضل برنامج تدريبي تابع لمنظمة دولية، مما يُظهر أن عودة الكفاءات لسوريا ممكنة وأن المشروعات الصغيرة يمكن أن تكون دافعاً اقتصادياً واجتماعياً مهما.
على الرغم من هذه الجهود، لا تزال هناك تحديات عدة تعيق عودة الكفاءات، منها ضعف الخدمات الأساسية في بعض المناطق، وضرورة توثيق الشهادات أو تقديم امتحانات معادلة، بالإضافة إلى استقرار العائلات في الخارج مما يجعل العودة قراراً صعباً.
يؤكد الخبراء أن استعادة الكفاءات تتطلب:
– ظروف أمنة ومستقرة وتحسين للخدمات.
– عقود عمل مجزية مع حوافز مالية.
– توفير سكن وتعليم وخدمات للعائدين.
– برامج قصيرة المدى لتجربة الوضع على الأرض قبل العودة النهائية.
عودة الخبراء ليست حلماً وطنياً فحسب، بل حتمية لإعادة بناء سوريا، إذ يمتلك الأطباء والمهندسون ورواد الأعمال دوراً محورياً في اقتصاد البلاد وبنائه مجدداً. قصص النجاح الواقعية، حتى لو مؤقتة، تثبت أن العودة ممكنة ومبشرة إذا توفرت البيئة المناسبة والدعم الكافي.


