“بطاقة الائتمان في سوريا… هل ينطلق الانفتاح الاقتصادي؟”
وزارة الاتصال وتقنية المعلومات أبرمت اتفاقية شراكة مع شركة Visa العالمية في سان فرانسيسكو، بهدف تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الشمول المالي، وإطلاق بيئة تنظيمية تجريبية، وبناء قدرات وطنية في مجالات الأمن السيبراني، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الدخول إلى منظومة المدفوعات الرقمية.
يظهر أن الاتفاقية في ظاهرها تحديث لأساليب الدفع، لكنها في عمقها تفتح أبواباً أوسع تتعلق بالمرحلة الاقتصادية القادمة، حيث يمكن أن يكون التحول الرقمي مدخلاً فعلياً لانفتاح مالي منظم.
الدكتور محمد عمار دللول، الخبير في الاقتصاد الرقمي والحكومات الذكية، يرى أن النظر إلى الاتفاقية كتوجه تقني فقط يقلل من أهميتها. يوضح دللول أن “فيزا” ليست مجرد شركة بطاقات، بل جزء من شبكة مالية عالمية تعمل في أكثر من 200 دولة وتشكل أحد أركان النظام المالي الدولي.
ويعتقد دللول أن التعاون مع هيئة بهذا الحجم يتيح لسوريا اختبار قدرتها على الاندماج التدريجي في النظام المالي عبر الحدود.
ويؤكد دللول أن الاقتصاد الحديث لم يعد يعتمد فقط على المرافئ والمعابر، بل أيضاً على أنظمة الدفع ومعايير الامتثال ومكافحة الاحتيال، مما يقلل من حجم الاقتصاد الموازي. فيرى المستثمر اليوم جاذبية السوق من خلال الشفافية المالية، والقدرة على المتابعة، ومستوى الأمان السيبراني.
السيادة المالية في الاقتصاد المعاصر لم تعد تقاس فقط بالاحتياطيات أو أدوات السياسة النقدية، بل بقدرة الدولة على إدارة بنيتها التحتية الرقمية، وضمان أمن بياناتها، وتنظيم تدفقات المدفوعات.
دللول يشير إلى أن تطبيق معايير الدفع العالمية يعد تحدياً مؤسسياً يتطلب إطاراً تنظيمياً محكماً، وتشريعات حديثة، وكفاءات تقنية قادرة على حماية النظام. الفشل في هذا المسعى يظهر الحاجة لمراجعة عميقة.
الاتفاقية بذلك ليست مجرد تعاون تقني، بل اختبار لقدرة المؤسسات على الانتقال من اقتصاد نقدي إلى اقتصاد رقمي منظّم وشفاف.
إطلاق بيئة تنظيمية تجريبية لاختبار الحلول المالية التكنولوجية قبل تعميمها يرمز لخطوة بارزة في إدارة الاقتصاد الرقمي. نموذج “Regulatory Sandbox” يُعتبر أداة حديثة تدعم الابتكار ضمن إطار رقابي مرن.
الدكتور دللول يشير إلى أن هذا الاتجاه يُظهر تحولاً في الفلسفة الاقتصادية، مع التأكيد على أهمية إصدار الأطر القانونية بسرعة، والتنسيق مع المصرف المركزي، وإعداد كوادر قادرة على مواكبة قطاع FinTech المتسارع.
التحول الرقمي سيضع النظام المصرفي أمام تحديات تتطلب تحديث البنى التقنية، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحديث معايير الامتثال.
وفقاً لدلول، توسيع نطاق الدفع الإلكتروني يمكنه إعادة تدفق السيولة إلى القنوات الرسمية، وتزويد صناع القرار ببيانات أدق لفهم حركة السوق، مما يُعزز من فعالية السياسات المالية. لكن هذا يتطلب تبسيط الإجراءات، وخفض التكلفة، وجعل الخدمات الرقمية متاحة للجميع.
التركيز على دعم الشركات الصغيرة يحمل قيمة اقتصادية مباشرة، حيث تمكن الرقمنة هذه المشاريع من بناء سجلات ائتمانية رقمية، تسهيل الوصول إلى التمويل، وفتح مجال التجارة الإلكترونية. دللول يؤكد أن التحريك الاقتصادي من الأساس عبر الحلول الرقمية يعد أكثر استدامة من التحفيز المؤقت.
نجاح التحول الرقمي مرهون بانتشار الثقافة المالية الرقمية. الاتفاقية تشكل مساراً واضحاً، لكنها لا تحقق النتائج بمفردها. التحول الرقمي يُقاس بمدى اعتماد المدفوعات الإلكترونية، والشركات المنخرطة في النظام الجديد، وقدرة السوق على بناء ثقة تدريجية في الأدوات الرقمية. التعاون يختبر قدرة سوريا على استخدام الأدوات الرقمية كمدخل لإعادة الاندماج في السلاسل العالمية. الرهان ليس في توقيع الاتفاقية، بل في تنفيذها كمشروع مؤسسي مستدام.


