القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

"اقتصاد الاهتمام".. الصراع المستتر لإعادة صياغة السلوك الإنساني عبر التكنولوجيا الرقمية
اقتصاد

“اقتصاد الاهتمام”.. الصراع المستتر لإعادة صياغة السلوك الإنساني عبر التكنولوجيا الرقمية

لم يعد الإنترنت وسيلة للتواصل أو أداة للحصول على معلومات فقط، بل أصبح عالماً شاملاً يعيد صياغة تصرفات البشر وعلاقاتهم ونظرتهم لأنفسهم وللآخرين. ورغم تصورنا أننا نتحكم في استخدامه بحرية، تبرز تساؤلات جوهرية: هل نتحكم نحن فيه حقاً، أم إنه أصبح يشكلنا بهدوء؟

المعركة الخفية

الخوارزميات الآن لا تقتصر على عرض المحتوى، بل تفهم تصرفاتنا، وتعيد تشكيل اهتماماتنا، وتقدم ما ينبغي أن نتابعه، وأحياناً ما نشعر به. يكمن التغيير الجذري هنا: لم نعد نختار بحرية كاملة، بل يُختار لنا. تحدث الكثير من المتخصصين في الإعلام الرقمي عن أن ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه” أصبح المحرك الرئيسي للمنصات، فكل لحظة نقضيها أمام الشاشة تتحول إلى قيمة اقتصادية. تسعى المنصات لجذب المستخدمين وإبقائهم لأطول فترة ممكنة، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتهم النفسية أو جودة حياتهم، وهو ما يفسر الزيادة في انتشار المحتوى الجذاب والساعي للانتباه.

رؤية الناس للإعلام الرقمي

في دراسة استقصائية أكد طالبات وطالبو الجامعة أن الإنترنت أصبح عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في الدراسة، حيث يوفر مصادر معرفة غنية وسهولة في الوصول إلى المعلومات. ومع ذلك، أشار بعض الطلاب إلى الجوانب السلبية، مثل إضاعة الساعات دون إنجاز أي هدف محدد. وذكرت طالبة إدارة الأعمال مها عباس أن التنافس المستمر مع الآخرين على المنصات يصيب الإنسان بشعور ناقص، حتى لو لم تكن لديه تلك النواقص في الحقيقة.

بين الفرصة والعبء

يرى بعض من شملهم الاستطلاع أن الإنترنت فتح مجالات جديدة للتعبير وبناء مسار مهني مستقل. البعض ممن يعمل في التسويق الإلكتروني أو كمؤثر مبتدئ قالوا: إنه منحهم صوتاً، لكن في نفس الوقت فرض عليهم ضغطاً للبقاء مرئيين ومثيرين للاهتمام، وأحياناً يشعرون أنهم لا يعيشون اللحظة بقدر ما يفكرون في كيفية تصويرها ونشرها.

تسهيلات تقابلها مخاوف

تتنوع آراء المستخدمين بين الإشادة بفوائد الإنترنت اليومية، مثل سهولة التواصل وإنجاز التعاملات، وبين القلق من تراجع الخصوصية. تقول نجاح سعيد، المعلمة المتقاعدة: “أصبح كل شيء أسرع وأسهل، لكننا فقدنا جزءاً من هدوء حياتنا، وعدم وجود فاصل واضح بين الخاص والعام.” وهي تشير إلى أن من فوائد الإنترنت تسهيل الوصول للمعلومات والمعرفة، وتعزيز التواصل رغم المسافات، وتحفيز فرص العمل الجديدة، بينما يعتبر من السلبيات إهدار الوقت والاعتماد الزائد على التكنولوجيا الرقمية.

التأثير على الصحة النفسية والتركيز

أكدت يارا عباس، المختصة في علم النفس، أن الإنترنت غزا حياتنا تدريجياً، لكنه أصبح الآن جزءاً محورياً في تفاصيل الحياة اليومية، من لحظة الاستيقاظ حتى ما قبل النوم. وأضافت: الإنترنت يتجاوز حدود البحث والتواصل إلى التأثير في العادات والاهتمامات وحتى القرارات الشخصية والاجتماعية والنفسية.

اقتحام هادئ وتحول عميق

توضح المختصة أن المشكلة لا تكمن في مجرد الاستخدام، بل في عدم وضع حدود، وعندما يصبح التواجد الرقمي معياراً للوجود، يبدأ الشخص بفقدان توازنه بين العالم الافتراضي والحقيقي.

هل نستخدمه أم يستخدمنا؟

تظهر آراء المستخدمين أن العلاقة مع الإنترنت لم تعد بسيطة، فنستخدمه لتسهيل حياتنا، ولكن نجد أنه يؤثر على أولوياتنا ويوجه انتباهنا. ونحن في خضم هذا التشابك، لا يبدو السؤال حول من يستخدم من بسيطاً، بل هو تعبير عن واقع معقد. الإنترنت أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لكن الوعي يبقى عاملاً مهماً لتحديد كيفية استخدامنا لوسائله بفعالية أو تركه يعيد تشكيلنا بلا وعي. في عالم مفتوح بلا حدود، تعتبر الحدود التي نرسمها نحن هي الأهم.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك