القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

ما بين الوظيفة والتوتر: كيف نحقق استقرار حياتنا وروابطنا الشخصية؟
مجتمع

ما بين الوظيفة والتوتر: كيف نحقق استقرار حياتنا وروابطنا الشخصية؟

في ظل تسارع إيقاع الحياة وازدياد المسؤوليات المهنية، يجد العديد من الأفراد أنفسهم محاصرين بضغوط يومية متراكمة تؤثر ليس فقط على صحتهم النفسية، بل تمتد آثارها إلى علاقاتهم الأسرية والعاطفية. ومع تقلص المسافة بين العمل والحياة الشخصية، أصبح تحقيق التوازن بينهما تحدياً حقيقياً يواجه الأفراد والمجتمع بأكمله.

توضح الدكتورة مايا بركات، أستاذة بجامعة طرطوس- كلية التربية، قسم الإرشاد النفسي، أن هذه الضغوط لا تعد حالة عابرة، بل أصبحت عنصراً مؤثراً في تكوين طابع العلاقات الإنسانية واستقرارها، مما يستدعي فهماً أعمق لكيفية التعامل معها والتقليل من آثارها.

تشير الدكتورة بركات إلى أن العمل قد يتحول إلى عامل غير مباشر في فشل العديد من العلاقات، حيث تسهم ساعات العمل الطويلة والإجهاد المستمر في تقليص الوقت المخصص للأسرة أو الأصدقاء. ومع تراجع الطاقة النفسية، تقل القدرة على التفاعل العاطفي، مما يشعر الطرف الآخر بالإهمال.

لا ينتهي الأمر عند نهاية ساعات العمل، إذ يستمر انشغال الذهن بمشكلات العمل حتى بعد العودة إلى المنزل، مما يضعف الوجود العاطفي داخل العلاقة. كما يظهر التوتر المتراكم أحياناً في شكل انفعالات أو انسحاب، ومع الوقت قد يتراجع الاهتمام بالعلاقات لصالح الهوية المهنية، مما يعزز الشعور بالعزلة حتى داخل العلاقة نفسها.

وتشير الدكتورة بركات إلى أن الإجهاد النفسي الناتج عن العمل قد يؤدي إلى تعطيل التواصل الأسري والعاطفي، نتيجة تداخل عوامل نفسية وفسيولوجية متنوعة. فاستنزاف الطاقة العاطفية خلال ساعات العمل يجعل أبسط أشكال التواصل عبئاً إضافياً، ويُفسر ذلك علمياً بنظرية الوعاء المحدود للانتباه التي تفترض أن للإنسان طاقة ذهنية محدودة تُستهلك مع الضغوط اليومية.

كما أن المشاعر السلبية المرتبطة بالعمل تنقل بسهولة إلى الحياة المنزلية، وتؤثر في طبيعة الحوار وردود الفعل. ومع الإرهاق، يميل العقل إلى تقليل الجهد، فيصبح الصمت أو الانسحاب خياراً أسهل من التفاعل، خاصة لأولئك الذين يحاولون تجنب أي ضغط إضافي.

تؤكد الدكتورة بركات أن النجاح المهني لا يعني بالضرورة الفشل العاطفي، إلا أن الظروف الراهنة تجعل العلاقة بينهما أقرب إلى التحدي المستمر. ثقافة “التوفر الدائم” والاتصال المستمر بالعمل تقلل من فرص الفصل بين الحياة المهنية والشخصية. وتأجيل الارتباط أو استنزاف الطاقة العاطفية في بيئة العمل يحدّ من القدرة على بناء علاقات مستقرة.

تلفت الدكتورة بركات إلى أن الصمت داخل المنزل لا يحمل دائماً معانٍ سلبية، إذ قد يكون تعبيراً عن الراحة والانسجام. إلا أن الصمت يتحول إلى خطر عندما يرتبط بالتجنب والتوتر وغياب التواصل البصري لفترات طويلة، فيصبح وسيلة للهروب أو العقاب غير المباشر، مما يفاقم من المشكلات.

تعتبر الدكتورة بركات أن الإرهاق النفسي يؤثر بشكل مباشر على التوازن العاطفي والسلوكي في العلاقات، حيث يؤدي إلى تقلبات مزاجية وانخفاض القدرة على التعاطف. ويؤدي الانشغال الذهني المستمر إلى ضعف التواصل، فيختل التوازن بين الأخذ والعطاء، مما يجعل العلاقات تبدو بمثابة عبء إضافي.

ترى الدكتورة بركات أن تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية يتطلب وعياً بأن تلبية جميع المتطلبات في الوقت نفسه غير ممكنة، ويكمن الحل في التناوب الواعي بين الأولويات. كما تؤكد على أهمية وضع حدود واضحة بين العمل والأمور الشخصية، وتخصيص الوقت للعلاقات المهمة. الحفاظ على الصحة النفسية من خلال النوم الكافي، والنشاط البدني، وتقنيات الاسترخاء، يعد عاملاً أساسياً في استعادة التوازن.

تعلم مهارة قول “لا” وتنظيم الوقت وتخصيص وقت للراحة تعد عناصر داعمة لهذا التوازن، مع التأكيد على أهمية طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة لتفادي زيادة الضغوط.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك