اقتصاد السوق بين الانفتاح والتحكم.. تبني سياسات جمركية متكيفة وإدارة النشاط التجاري
يواجه الاقتصاد السوري صعوبات متزايدة تتطلب دراسة جديدة لأساليب عمل السوق لتحقيق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وحماية المصالح الوطنية.
وفي ظل تغيرات الأسعار وضعف القدرة الشرائية، تزداد الحاجة إلى سياسات اقتصادية أكثر كفاءة تسهم في استقرار الأسواق وتحافظ على مستوى معيشة المواطنين دون الإضرار بمبادئ اقتصاد السوق.
في هذا السياق، أوضح رئيس قسم إدارة الأعمال بجامعة حمص، الدكتور محمد الجاسم، أن اقتصاد السوق الحر يبنى في الأساس على الملكية الخاصة وآلية العرض والطلب في تحديد الأسعار، إلا أن هذه الحرية لا ينبغي أن تكون غير منظمة، بل يجب أن تُحرر عن طريق قوانين وسياسات تضمن العدالة الاقتصادية وتحمي الإنتاج المحلي وتدعم استقرار المجتمع.
ويرى الدكتور الجاسم أن دور الدولة في اقتصاد السوق لا ينبغي أن يقتصر على الرقابة فقط، بل يجب أن يمتد إلى تحديد ضوابط تحمي المصالح الوطنية، عبر تنظيم النشاط الاقتصادي وتطبيق القوانين التي تضمن التوازن بين المنتج والمستهلك. تقلبات العرض والطلب، إذا تُركت بدون تنظيم، قد تؤدي إلى اختلالات سعرية تضر بالاقتصاد بشكل عام، مما يتطلب تدخلات مدروسة للمحافظة على استقرار السوق ودعم النمو.
كما يوضح الدكتور الجاسم أن هيكلية القطاع الصناعي في سوريا، التي يغلب عليها الطابع الصغير والمتوسط، تحدّ من قدرة المنشآت على تحقيق كفاءة إنتاجية عالية. وهذا الواقع ينعكس في ارتفاع التكاليف وضعف القدرة التنافسية، حيث إن أي زيادة طفيفة في تكاليف الإنتاج تؤدي فوراً إلى رفع الأسعار، في ظل نقص الاستفادة من وفورات الحجم وقلة الخبرات الإدارية والتسويقية.
ويمثل اعتماد التسعير على الدولار، في بيئة تتسم بالتضخم، من بين أبرز أسباب ارتفاع الأسعار، كما أكد الخبير الاقتصادي. ويرى أن الرسوم الجمركية وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، بالإضافة إلى ضعف كفاءة الإنتاج المحلي، كلها عوامل مترابطة تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بشكل مستمر.
ويشير الدكتور الجاسم إلى أن غياب الضوابط على استيراد السلع الأجنبية يستنزف العملات الصعبة ويزيد الضغط على المنتجات المحلية التي تعجز عن المنافسة، خاصة في ظل دخول سلع بجودة منخفضة أو قصيرة العمر بأسعار زهيدة.
يشدّد الدكتور الجاسم على أن هذه الاختلالات تؤثر مباشرة على حياة المواطنين، حيث ترتفع تكاليف المعيشة ويتجه المستهلك إلى شراء السلع الأرخص والأقل جودة. وفي المقابل، يؤدي تراجع الطلب على المنتجات المحلية إلى تقليص حجم الإنتاج وتسريح العمال، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وقد يؤدي ببعض أصحاب المشاريع الصغيرة إلى الخروج من السوق.
يرى الدكتور الجاسم أن تحقيق التوازن في اقتصاد السوق يتطلب اعتماد سياسة اقتصادية وطنية متكاملة، تقوم على تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتنظيم الاستيراد والتصدير بما يلبي أولويات الاقتصاد الوطني. كما يؤكد على أهمية تنفيذ سياسات جمركية مرنة تسهل دخول السلع الأساسية وتحد من الكمالية، مع تفعيل الرقابة على جودة وأسعار المنتجات.
ختاماً، يؤكد الدكتور الجاسم على أهمية تحقيق الاستقرار السعري في السوق المحلي، بحيث لا تختلف الأسعار بين منطقة وأخرى بصورة كبيرة إلا في حدود تتعلق بتكاليف التشغيل. ويرى أن توفير معلومات واضحة للمستهلك حول جودة وأسعار السلع يعد عنصراً مهماً لتعزيز الشفافية وتمكين المستهلك من اتخاذ قرارات شرائية مستنيرة.

