القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

من وسيلة تحليل إلى وسيلة اتخاذ قرار.. الاستبيان الأسري مفتاح لفهم الإيرادات والمصروفات في سوريا
اقتصاد

من وسيلة تحليل إلى وسيلة اتخاذ قرار.. الاستبيان الأسري مفتاح لفهم الإيرادات والمصروفات في سوريا

الحرية – أسماء العباس:

كيف يمكن لبلد أن يضع خطة لمستقبله الاقتصادي دون معرفة تفاصيل حياة سكانه؟.. لوقت طويل، كانت المشكلة في سوريا ليست فقط قلة الموارد، بل الأخطر عدم توافر البيانات الدقيقة.

في هذا الغياب، تحولت القرارات الاقتصادية إلى محاولات شخصية، والسياسات إلى محاولات غير مكتملة، بينما بقيت أوضاع الأسر الحقيقية غير موجودة في إحصائيات الحكومة.

الآن، يأتي المسح الأسري كوسيلة لكسر هذه الدائرة، وبناء صورة حقيقية للاقتصاد السوري من داخل المنازل.

المسح الأسري: فهم عميق لحياة المواطنين

بعد سنوات من الحرب، أصبح إدراك الواقع المعيشي للأسر ضرورياً، فتفاوت الدخل، وازدياد التضخم، وتباين الأوضاع بين المناطق، عوامل تجعل من المسح الأسري أداة حاسمة لفهم الواقع الحقيقي.

الدكتور كامل حمادة، مستشار اقتصادي في هيئة التخطيط، أشار إلى أن المسح الأسري ليس مجرد مشروع عابر، بل هو فرصة لفهم حقيقة الأوضاع الاقتصادية للعائلات السورية، من خلال دراسة الدخل والمصروفات الأسرية، حيث يتم اعتماده كأساس لإعادة بناء النظام الإحصائي الوطني بشكل دقيق وحديث. كما أضاف أن الهيئة تسعى لتحليل مستوى الإنفاق بين الطبقات والمناطق، وتحديد الفجوات الاقتصادية، وتعديل سلة المستهلك لتعكس الواقع العملي.

عام كامل في العمل لتحقيق الدقة

بعيداً عن الحلول السريعة، أشار الدكتور حمادة إلى أن المسح الحقيقي يتطلب وقتاً ويستغرق عاماً كاملاً، حيث تُراقب الأسر شهرياً لتوثيق نفقاتها بدقة. يستند هذا النهج إلى معايير دولية وخبرات محلية، ليس فقط لجمع البيانات، بل لإنهاء فجوات كبيرة اتسمت بها المسوحات السابقة.

البيانات كأداة قرار

النجاح يعتمد بشكل أساسي على جمع معلومات موثوقة تعكس الحقائق الأسرية. أي خلل في هذا الجانب يؤدي إلى سياسات غير صحيحة. وباستخدام هذه المعلومات، يمكن ترتيب أولويات الإنفاق على الصحة والتعليم والغذاء، وتقدير التضخم بدقة وتوجه الموارد للفئات الأشد حاجة، مما يجعل البيانات أداة فعالة لإدارة الاقتصاد.

فجوة العشرين عاماً

المستشار الاقتصادي الدكتور أحمد القيش أكد أن نقص البيانات لمدة تجاوزت عقدين عرقل التخطيط في سوريا. كانت القرارات تعتمد غالباً على التخمين بسبب غياب الأدوات الدقيقة، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين المعلومات المتاحة والواقع الفعلي، مما انعكس سلباً على فاعلية السياسات الحكومية وتوزيع الموارد.

من التقديرات إلى الحقائق

تعزيز النظام الإحصائي لم يعد خياراً تقنياً، بل ضرورة اقتصادية. بناء هذه المنظومة يعني تحديث أدوات جمع البيانات وتعزيز الشراكات بين العاملين في هذا المجال. الحصول على معلومات دقيقة هو المفتاح لبناء اقتصاد مستقر ومستدام.

في النهاية، الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى دون فهم دقيق للظروف الأسرية. فالمسح الأسري يهدف إلى ربط السياسات بواقع المواطنين وتحويل الاقتصاد من أرقام مجردة إلى حقائق ملموسة. أمام سوريا فرصة هامة للانتقال من الإدارات التخيلية إلى التخطيط الواقعي المبني على معلومات دقيقة وصحيحة.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك