الزراعة السورية: قوة إنتاجية تسعى لتحقيق اقتصاد ذو قيمة مضافة
يشهد المجال الزراعي في سوريا حالياً تحولاً تدريجياً في موقعه ضمن النقاش الاقتصادي، حيث يُعتبر أحد القطاعات البارزة القادرة على قيادة التعافي الاقتصادي، لما لديه من قدرة على خلق فرص عمل ودعم الأمن الغذائي، بإزاء تحديات هيكلية تحد من فعاليته وربحيته.
يشير الخبير الاقتصادي الدكتور مصعب شبيب إلى أن الزراعة السورية تمتلك مقومات قطاع استراتيجي يُسهم في التعافي الاقتصادي، إلا أنها لا تزال تعمل في منظومة غير مكتملة من حيث التأييد والإنتاجية وسلاسل القيمة. ويقول شبيب إن “القطاع الزراعي لا يعاني من ضعف في الإمكانات الطبيعية، لكن الفجوة تكمن في الهيكلة الاقتصادية بدءاً من الطاقة والأسمدة وصولاً إلى ضعف البنية التحتية والتسويق”.
وأضاف شبيب أن أي خطة لإحياء الزراعة يجب ألا تقتصر على تحسين الإنتاج فقط، بل يجب أن تتوجه نحو إعادة بناء متكاملة لمنظومة الدعم والإنتاج لتحقيق الكفاءة وزيادة العائد الاقتصادي للمزارع والاقتصاد.
تتمتع سوريا بتنوع مناخي وزراعي يساعد في إنتاج مجموعة واسعة من المحاصيل، مثل القمح والقطن والزيتون والحمضيات والنباتات الطبية، مما يوفر أساساً إنتاجياً واسعاً.
زراعة الزيتون تُعد من أركان الاقتصاد الزراعي، حيث تُزرع على نحو 700 ألف هكتار وتُشكل حوالي 12% من الأراضي المزروعة، لتوفر دخلاً لنحو 300 ألف عائلة، ما يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بالاقتصاد الريفي ومعيشة السكان.
ورغم هذا الأساس الإنتاجي، يؤكد الباحث الاقتصادي أن القضية ليست في حجم الإنتاج، بل في ضآلة تحويله إلى قيمة اقتصادية مضافة، مشيراً إلى أن المنتجات السورية تتمتع بمزايا تنافسية، مثل زيت الزيتون المنخفض الحموضة والحمضيات والقمح القاسي، لكنها لا تزال تُسوّق بشكل خام دون تطوير كافٍ لسلاسل التصنيع والتصدير.
يرى المستثمر الزراعي ميسرة الحجي أن سوريا لديها عناصر جذب استثماري حقيقية تعتمد على خصوبة الأراضي وتنوع المناخ وقربها من الأسواق الإقليمية، لكنها بحاجة إلى بيئة تشغيلية أكثر استقراراً.
ورغم توافر المقومات، لا تزال الزراعة السورية تواجه تحديات هيكلية تؤثر على فعاليتها، أبرزها تفتت الملكيات الزراعية، مما يحد من إدخال التكنولوجيا الحديثة ويقلل من كفاءة الإنتاج.
وتشكل تكاليف الطاقة والأسمدة عبئاً مباشراً على المزارعين، بالتوازي مع تراجع شبكات الري والمعدات الزراعية، مما ينعكس سلباً على الإنتاجية.
ويشير الخبير الاقتصادي شبيب إلى تقلبات سعر الصرف، ونقص العمالة الزراعية، وضعف التخطيط الزراعي كعوامل إضافية تحد من قدرة القطاع الزراعي على المنافسة وتجعله أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية.
المشكلة الأساسية في الاقتصاد الزراعي السوري لا تتعلق بالإنتاج، بل بغياب سلاسل القيمة المضافة، فمعظم المنتجات تُطرح في السوق بصورتها الأولية دون المرور بمراحل التصنيع أو التخزين.
وتكمن المشكلة في عدم الربط بين الزراعة والصناعة، إذ يمكنك تحويل الزيتون إلى زيت وصابون وطاقة، والحمضيات إلى عصائر ومركزات، مما يزيد القيمة الاقتصادية للمنتج كثيراً.
التصنيع الزراعي يعتبر المفتاح لإعادة هيكلة القطاع، كونه يحول الإنتاج من مادة أولية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، مما ينمي العائد الاقتصادي ويوفر فرص عمل جديدة.
يؤكد رئيس غرفة زراعة دمشق محمد جنن أن تحفيز الاستثمار الزراعي يتطلب إصلاحات تنظيمية وتشريعية، مثل تفعيل قانون الزراعة التعاقدية وإنشاء سجل زراعي حديث.
ويشير إلى أن المنتجات السورية تتمتع بسمعة جيدة في الأسواق، لكن بحاجة إلى نظام مؤسسي قادر على تحويل هذه الميزة إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وفقاً لشبيب، تمتلك الزراعة السورية إمكانات إنتاجية واضحة لكنها تعمل ضمن نموذج يعتمد على بيع المواد الخام، بينما تملك البلاد قاعدة زراعية متنوعة وخبرة تراكمية مهمة، فإن التحول إلى “نفط أخضر” يبقى معتمداً على الانتقال من اقتصاد إنتاج الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة، الذي يمكنه خلق دورة اقتصادية أكثر استدامة.
وعند هذا التحول، يمكن للزراعة السورية أن تنتقل من قطاع تقليدي إلى محرك اقتصادي حقيقي يسهم في التعافي الاقتصادي وتوليد فرص العمل وتحسين الاستقرار المعيشي في الأرياف السورية.

