قصة جهاز صغير أصبح مصنع آيس كريم متكامل يتوسع بالشغف
الحرية – فادية مجد:
تشهد المشروعات المتوسطة والصغيرة اليوم تطوراً كبيراً، لتصبح أحد العوامل الرئيسية التي تعزز الاقتصاد الوطني، وتوفر للحرفيين وأصحاب المبادرات الفردية المجال لتحويل مواهبهم إلى مشاريع تحقق النجاح والازدهار.
وفي ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه القطاعات المتنوعة، أصبحت هذه المشروعات بمثابة فرصة حيوية للابتكار والعمل، وتتيح المجال لتجارب فردية استطاعت أن تترك بصمة ملموسة وتقدم نموذجاً عملياً لكيفية تحويل الشغف إلى عمل مستقر، مما يثبت أن البدايات البسيطة ليست عقبة أمام التألق، بل قد تكون الخطوة الأولى نحو مشاريع متكاملة عندما تتوفر العزيمة والمعرفة وروح الحرفة.
انطلاق المشروع
وفي هذا الإطار، يبرز مشروع الحرفي أحمد السواس كنموذج لحرفة تمكنت من التوسع من آلة صغيرة إلى مصنع متكامل لإنتاج الآيس كريم، مع الحفاظ على أصالة المنتج وجودته، مما يقدم مثالاً ملموساً على قدرة المشروعات الصغيرة على التطور حين تبنى على الشغف.
وصرح السواس أن دخوله هذا المجال لم يكن صدفة، وإنما نتيجة لذكريات الطفولة في مدينة حلب، حيث كان يزور مصانع الآيس كريم ويتعلم أسرار المهنة الأولى، قبل أن يتحول هذا الشغف إلى مشروع صغير أُطلق عام 2005 بواسطة آلة بسيطة وبيع مباشر للزبائن، ومع انتشار التجربة وانتقالها إلى محافظة طرطوس، كان عام 2011 نقطة تحول فعلية في مسار العمل.
وأوضح السواس أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير مكاني، بل خطوة نحو تحديث خطوط الإنتاج وتجهيز مصنع كامل في المنطقة الصناعية، يضم أجهزة حديثة وغرف تبريد وعربات توزيع وصالات بيع، مما أتاح تقديم منتج يحافظ على أصالته، ويواكب في نفس الوقت متطلبات السوق المتزايدة.
خطوات تصنيع الآيس كريم
ويسرد السواس مراحل التصنيع بشكل دقيق، مشيراً إلى أن العمل يبدأ بتوفير الحليب الطازج من المزارع، ومن ثم غليه حتى يصل إلى درجة الغليان المطلوبة.
وبعد التبريد، يُضاف السكر، السحلب، الفانيلا، والمسك، وهي مكونات تمنح الآيس كريم نكهته التقليدية، ثم تُترك المزيج لمدة ثماني ساعات في مرحلة التبريد، قبل أن يُنقل إلى أجهزة خاصة بعجن الآيس كريم العربي، حيث يُضاف الفستق الحلبي الذي يعتبر جزءاً أساسياً من هوية المنتج، وبعد ذلك يُعبأ الآيس كريم في عبوات صحية، ويدخل غرف التبريد بدرجة -30 مئوية، وهي مرحلة الصعق التي تعطيه قوامه المتماسك، قبل أن يُنقل إلى عربات التوزيع المبردة، أو صالات البيع المتاحة في المحافظة.
الفرق بين الآيس كريم العربي والعادي
وفيما يتعلق بالاختلاف في النكهات، أشار السواس إلى أن الآيس كريم العربي يختلف عن الآيس كريم الكريمي من حيث التحضير والمكونات، حيث يعتمد الأول على السحلب والفستق وعمليات العجن التقليدية، بينما يعتمد الثاني على التكنولوجيا الحديثة ونكهات الفاكهة والبسكويت مثل التوت، المانغا، الفريز، الليمون، الكرز، الكراميل وغيرها، مما يجعل لكل نوع جمهوره الخاص، مشيراً إلى أن الحفاظ على النكهة التقليدية للآيس كريم العربي يتطلب التزاماً دقيقاً بالمقادير وطرق التحضير، وهو ما يميز الحرفيين الذين يعملون بشغف.
التحديات الأساسية
وحول أبرز التحديات، أفاد السواس بأن التحديات الرئيسية تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة الكهربائية وأسعار الأجهزة الحديثة وصيانتها، مؤكدًا أن هذه التحديات لا تمنع استمرار العمل، بل تحفزه للبحث المستمر عن حلول تحافظ على جودة المنتج وتضمن استمرارية الحرفة.
وأخيراً، من آلة صغيرة في بداية الطريق، إلى مصنع متكامل اليوم، تبدو تجربة أحمد السواس مثالاً واضحاً على قدرة المشروعات الصغيرة على التوسع، عندما تُبنى على الشغف والمعرفة، وتُدار بروح الحرفة التي لا تنطفئ، لتقدم منتجاً يبدأ من الحليب وينتهي بابتسامة زبونٍ يطلب “كاسة آيس كريم” في يوم صيفي.

