“موسم ‘السليقة’ يجمع سكان الساحل السوري حول الحنطة ويعيد إحياء ذاكرة الريف وتراث المؤن”
تبدأ فترة “السليقة” بانتهاء حصاد القمح في قرى الساحل السوري، وهي من أقدم التقاليد الريفية التي تظل قائمة في مناطق مثل طرطوس واللاذقية ومصياف. تتحول ساحات المنازل إلى مواقع جماعية لإعداد البرغل، الذي يُعتبر أساس المؤونة الشتوية.
يوضح المزارع عيسى حسن، من قرية بحنين في ريف طرطوس، أن موسم السليقة يبدأ في شهر أيار ويمتد حتى نهاية حصاد القمح. يبدأ العمل بجمع المحصول وتنظيفه، ثم نقله إلى المنزل وفرزه يدوياً أو آلياً. تتكاتف النساء بعد ذلك لتنظيف حبوب القمح وغسلها جيداً قبل سلقها في أوعية معدنية كبيرة تُعرف باسم “الحلّة”، حيث تُطهى لعدة ساعات مع التحريك المستمر حتى تنضج، وفي بعض الأحيان تُسلق عرانيس الذرة مع القمح.
بعد السلق، تُنشر الحبوب تحت الشمس لمدة أربعة إلى خمسة أيام لتجف تماماً، ثم تُنقى مرة أخرى، وتُرسل إلى المطاحن لإنتاج البرغل بأنواعه المختلفة. بعد الطحن، يُعاد نشر البرغل تحت الشمس لمدة تصل إلى خمسة عشر يوماً لضمان جفافه التام، ويُخصص جزء من المحصول لإعداد الأطعمة التقليدية مثل الكشك والفريكة.
يؤكد حسن أن هذه الفترة ليست فقط لإعداد المؤونة، بل تُعتبر مناسبة اجتماعية تقليدية تعزز التعاون بين الأهالي، حيث تشارك العائلات والجيران في كافة مراحل العمل، في أجواء مفعمة بالسرور وتبادل الأحاديث والخبرات. وتساهم هذه العادة في تخفيف الأعباء المعيشية من خلال توفير جزء كبير من احتياجات الأسرة الغذائية خلال الشتاء.
كما يشير إلى أن الاعتماد على البرغل المحلي يوفر جودة أفضل ويقلل من تكاليف شراء المواد الغذائية، موضحاً أن “السليقة” تمثل رمزاً للتعاون بين سكان القرية.
تقول أم أحمد، من قرية نخلة في ريف القدموس: “السليقة ليست فقط عمل منزلي، بل مناسبة نترقبها كل عام، حيث نجتمع مع الأقارب منذ الصباح لإعداد البرغل الذي يكفينا طيلة الشتاء، ونحافظ من خلاله على عادة ورثناها من أمهاتنا وجداتنا”.
أما الشابة هبة، فتعتبر أن المشاركة في موسم السليقة تعطي الجيل الجديد فرصة للتعرف على التراث الشعبي، وتقول: “نحرص كل عام على أن نكون جزءاً من هذا التقليد مع العائلة، لأن مثل هذه العادات جزء من هويتنا، ونرغب في أن تبقى حاضرة في حياة أبنائنا”.
يبقى موسم “السليقة” أكثر من مجرد محطة لإعداد المؤونة، فهو يعكس ارتباط الإنسان بأرضه ومحصوله، ويجسد قيم التعاون التي تميز المناطق الريفية السورية، في مشهد يتكرر كل صيف، حاملاً معه عبق الماضي ودفء العلاقات بين السكان.

