«الجمعية الدورية».. التكافل الاجتماعي يحل محل النظام البنكي في سوريا
في كل حي تقليدي في دمشق، تتجمع مجموعة من السيدات شهرياً في منزل إحداهن، حيث تضع كل واحدة منهن مبلغاً محدداً في ظرف، ثم يتم اختيار اسم واحدة لتأخذ المبلغ كاملاً. هذا الأمر الذي يتكرر في العديد من المنازل في سوريا ليس مجرد وسيلة ادخار، بل يعكس نظاماً مالياً اجتماعياً بديلاً، اعتمده السوريون كحل سريع في أوقات الضائقات المالية.
“الجمعية”، هذا التفاهم الاجتماعي غير الرسمي والذي يقوم على الثقة التامة بين الأفراد والمعارف، تمثل مزيجاً من التضامن والادخار والإقراض بدون فوائد أو رسوم، في وقت أصبحت فيه المؤسسات المصرفية بعيدة المنال، والاستشارات المالية مقتصرة على فئات محددة.
شاركت الموظفة علا السيد ذات الخمسين عاماً تجربتها، موضحة أنها تعتمد على هذا النظام منذ 19 عاماً وأكثر، قائلة: “تمكنت من خلال المشاركة في الجمعيات على مر السنين من تأثيث منزلي تدريجياً وشراء الذهب حين كانت الأسعار معقولة”، وأوضح المزارع علي شاهين من ريف دمشق أنه استطاع تحويل أول مبلغ حصل عليه من جمعيته إلى رأس مال لمشروع زراعي صغير توسع ليصبح مصدر دخل رئيسي لأسرته. ويشير مهدي إلى أن الجمعية تعطي الفئات الأقل حظاً والطبقة المتوسطة فرصة كانت محجوبة بسبب التعقيدات المصرفية وفقدان الثقة بالنظام المالي الرسمي، ما يجعلها وسيلة لتمكين اجتماعي واقتصادي في الوقت نفسه.
ويعتقد خبير علم الاجتماع المالي محمد مهدي أن ظاهرة الجمعيات ليست جديدة على المجتمع السوري، لكنها تحولت أثناء سنوات الحرب من خيار إضافي إلى ضرورة حيوية. ويبرز مهدي أن غياب القروض الميسرة، وتدهور قيمة العملة الوطنية، وتجارب تجميد الودائع في أوقات سابقة، كلها عوامل دفعت الناس للعودة إلى التآزر بين الأقارب والجيران كبديل آمن عن البنوك التي فقد المواطن ثقته بها.
ويضيف أن الاختلاف الرئيسي لهذه الجمعيات عن أي أداة مالية رسمية هو اعتمادها على المعرفة السابقة بين المشاركين، حيث لا يضع الشخص أمواله مع شخص غريب، بل مع من تربطه به علاقة ثقة طويلة الأمد، مما يجعلها نظاماً مالياً مبنياً على “رأس المال الاجتماعي” أكثر من كونه اقتصادياً.
كما لا تتوقف أهمية الجمعيات عند كونها وسيلة ادخار، بل تمتد لتكون وسيلة تمويل أولية لمشاريع صغيرة، خصوصاً للفئات التي لا يمكنها الوصول إلى التمويل البنكي.
ورغم الفوائد الاجتماعية والاقتصادية للجمعيات، يحذر مهدي من أنها تظل وسيلة بدائية غير خاضعة لأي مراقبة أو حماية، ما يعرضها لمخاطر عديدة، مثل تخلف أحد الأعضاء عن السداد، أو نشوب خلافات شخصية بين المشاركين قد تؤدي إلى انهيار الجمعية وفقدان أموال الآخرين. كما لا تأخذ الجمعية في الاعتبار تغير القدرة الشرائية للعملة، مما قد يقلل من فعاليتها كوسيلة ادخار.
ويختم مهدي بالقول إن استمرار الاعتماد على الجمعيات كوسيلة مالية أساسية يعكس فجوة تنظيمية عميقة، وحاجة ملحة لاستعادة الثقة بالمؤسسات المالية، وبناء نظام مصرفي يوفر بدائل حقيقية للادخار والاستثمار، تجمع بين الأمان والعائد المجزي.
في النهاية، تبقى الجمعية في المشهد السوري الحالي شاهداً حياً على قدرة المجتمع على ابتكار حلول من تجربته وعلاقاته في مواجهة انهيار المؤسسات، لكنها أيضاً تذكير بأن التضامن الاجتماعي، مهما كان قوياً، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن نظام مالي منظم ومؤسسات موثوقة قادرة على حماية مدخرات الشعب وبناء مستقبل اقتصادي آمن.

