حوالات المهاجرين.. داعمة للاستقرار الحياتي ومحفز للنمو الاقتصادي
انتهت سوريا خلال الأعوام المنصرمة من خسارة العديد من خيرة كفاءاتها ومهاراتها، وذلك نتيجة الهجرة نحو أسواق العمل الخارجية. شكلت هذه الكفاءات المهاجرة بمرور الزمن قوة اقتصادية يمكن استغلالها في مواجهة تدهور ظروف المعيشة للأسر السورية. وتعتبر الخبيرة الاقتصادية الدكتورة لبنى بشارة أن شبكة المغتربين أصبحوا مصدراً كبيراً للدعم المالي من خلال التحويلات المالية التي يرسلونها لأسرهم داخل الوطن.
وفي سيناريو آخر، تعد التحويلات المالية من أهم مصادر الدعم للاقتصاد والمجتمع في الأوضاع الحالية، إذ أصبحت شريان حياة لآلاف العائلات، وهي مصدر ضروري للعملات الأجنبية التي تسهم في تفعيل الأسواق المحلية، وتخفيف الضغط المالي، وتعزيز القوة الشرائية. لكن التحدي الذي يطرح نفسه هنا هو مدى قدرة هذه التحويلات على دعم التنمية الاقتصادية إذا ما أُعيد توجيه جزء منها نحو الاستثمار والإنتاج.
ترى الدكتورة بشارة أن الجانب الأهم لتأثير هذه التحويلات المالية يتمثل في دعم الاقتصاد الوطني، حيث تلعب دوراً هاماً في توفير السيولة النقدية، وزيادة النمو التجاري، وتعزيز القوة الشرائية للمواطنين، بالإضافة إلى نماء المشاريع الصغيرة والأعمال الفردية، والحد من آثار التضخم على دخل العائلات. تشير بشارة إلى أن التحويلات أصبحت مصدراً أساسياً للتمويل غير المباشر للاقتصاد الوطني خصوصاً في ظل تراجع بعض الموارد التقليدية، ما يجعلها عنصراً حيوياً في المحافظة على النشاط الاقتصادي المحلي بكافة أشكاله.
وعلى الصعيد الاجتماعي، صرّحت المربية رهام القادري أن الأموال التي يرسلها الأبناء المغتربون لأُسرهم تُعتبر دخلاً أساسيًا يُلبي متطلبات المعيشة من صحة وتعليم. ويشير التاجر مازن درويش إلى أن هذه التحويلات تنعش النشاط التجاري، حيث يُقبل الناس على الإنفاق عند وصول الأموال.
وبحسب لمياء الخير، مديرة جمعية محلية، فإن السوريين في الخارج لم يقتصر دعمهم على الأسرة بل شمل تمويل المبادرات الإنسانية والمشاريع المجتمعية، مثل تجديد المدارس وتوفير الإغاثة للمحتاجين.
لكن بحسب رأي بشارة، يواجه قطاع التحويلات المالية تحديات جمة مثل ارتفاع تكلفة التحويل في بعض القنوات، واتجاه البعض لاستخدام طرق تحويل غير رسمية، وقلة استغلال التحويلات في النطاق الاستثماري والإنتاجي، الأمر الذي يتطلب تحسين وتطوير الخدمات المصرفية لكسب ثقة المغتربين في القنوات الرسمية.
علاوة على ذلك، يبقى تأثير التحويلات المالية واضحًا في تحسين ظروف الأسرة السورية، إذ تساهم في تأمين الاحتياجات الأساسية وتخفيف الضغوط الاقتصادية، مما يعزز من استقرار الأسرة ودعم مستوى معيشتها.
وبالنهاية، حول كيفية تعزيز الاستفادة الاقتصادية من التحويلات المالية في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه سوريا، تقترح البشارة تشجيع استثمار جزء من التحويلات في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير بيئة مصرفية محفزة لاستيعاب هذه التدفقات المالية، مما يساهم في إيجاد فرص عمل ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالأموال المرسلة من المغتربين لا تمثل فقط دعماً اقتصادياً للأسر، بل عنصراً فاعلاً في الاقتصاد الوطني يمكن تحويله إلى محرك رئيسي للمشاريع التنموية والاقتصادية بمختلف القطاعات.

