من التعليم التقليدي إلى التمكين.. بيداغوجيا الفهم.. رهان سوريا في عصر التغييرات
مع اقتراب بداية السنة الدراسية الجديدة، يجلس الطالب في صفه الدراسي، أمامه كتاب مفتوح، وعيناه تتفحصان ما وراء النصوص والورق، بحثاً عن معنى يربط بين مسائل الرياضيات وحياته اليومية، وسعياً إلى حل لسؤال يطرح نفسه في زمن تتسارع فيه التغيرات: كيف أعيش في عالم لم يعد يعترف بما أحفظه، بل بما أستوعبه وأخترعه؟
هذا السؤال الذي يتردد في أروقة المدارس وفي نقاشات الآباء والأمهات يعكس أزمة تعليمية تلامس الواقع السوري بشدة، وتطرح مسألة حيوية: هل ما زالت مناهجنا، التي ظلت لعقود تركز على حفظ المعلومات، قادرة على تهيئة شباب سوريا لمواجهة تحديات المستقبل، أم أن هناك حاجة لإعادة النظر في فلسفة التعليم ذاتها؟
في عصر تتزايد فيه المعرفة بشكل فوضوي، ويصبح الوصول إلى المعلومات سريعاً، يؤكد خبراء التربية أن التعلم المعتمد على التلقين قد فقد فاعليته، حيث أن المتعلم في الرؤية التربوية الحديثة لم يعد بحاجة إلى من يملأ ذاكرته بحقائق قد تتغير قريباً، بل هو في حاجة إلى من يمكّنه من إنشاء المعنى بنفسه. هذا التغيير في الفهم هو ما يعرف بــ”بيداغوجيا المعنى”، وهي فلسفة تتخطى الحفظ التقليدي إلى تعزيز الفهم العميق وربط المعارف بتجارب وحاجات المتعلمين اليومية.
من وجهة نظر الخبير التربوي علي الصافي، التحول من التلقين إلى التمكين ضرورة حضارية وليس مجرد اختيار، حيث تؤكد بيداغوجيا المعنى على التعليم الذي يبني إنساناً قادراً على التفكير النقدي واتخاذ القرار وسط تعقيدات العصر. ويُشير إلى أن الفوضى المعلوماتية الحالية تبرز أهمية دور المعلم، ليس كنقل للمعلومة، بل كمسهل وداعم لبناء الذات.
يوجز الصافي رؤيته التطبيقيّة في ست رؤى أساسية لتفعيل هذه الفلسفة التعليمية في المدارس:
1. إشعال الفضول: البدء بأسئلة تحفز فضول الطلاب، مما يرسخ المعرفة المكتسبة عبر التساؤل والتجربة.
2. كسر جدران الصف: ربط المناهج بحياة الطلاب اليومية من خلال مشاريع عملية ورحلات ميدانية.
3. فضاء آمن للحوار: ضرورة إنشاء بيئة صفية تشجع على الحوار المفتوح، مما يساهم في تعزيز وعي نقدي.
4. إشراك المتعلم في الاختيار: منح الطلاب مساحة للمشاركة في تحديد أهدافهم التعليمية.
5. استراتيجيات التعلم النشط: استبدال المحاضرات التقليدية بأنشطة تفاعلية تحفز العقل.
6. مراعاة السياق السوري: تصميم المناهج بما يتناسب مع البيئة الثقافية والاجتماعية للمتعلمين.
ويعترف الصافي بأن تنفيذ هذه الرؤية في سوريا يواجه بعض العقبات مثل محدودية الموارد وعدم تحديث المناهج بشكل كافٍ، ولكنه يؤكد على أن الحل يكمن في تضافر الجهود وتطوير خطط التدريس وتدريب الكوادر التعليمية.
وفي نهاية حديثه، يشير الصافي إلى أن التعليم ليس مجرد إضافة للمعلومات في الذاكرة، وإنما هو أساس لبناء الإنسان وتحرير طاقاته، ليكون قادراً على صنع مستقبل واعٍ.

