تقدم في التواصل أم تهديد بيئي مرتقب؟.. التكنولوجيا الذكية تمهّد لتفاعل البشر مع الكائنات الحية
بينما كان العالِم في الأحياء، فيتوريو باغليوني، يستمع إلى أصوات الغربان باستخدام معدات مختبره، لم يكن يدرك أنه يقترب من فتح باب قد يؤدي إلى أزمة بيئية. فالأجهزة لم تكتف بالاستماع فحسب، بل شرعت في تحليل رسائل الطيور وتصنيف نداءات الحماية التي تصدرها عند الدفاع عن أعشاشها.
اليوم، وبحسب تقارير تم نشرها، فإن الإنسانية تقف على مشارف ثورة غير مسبوقة: تجاوز حاجز اللغة بين الأنواع باستخدام تقنيات التعلم الآلي. غير أن وراء بريق هذا الإنجاز التقني، تكمن مشكلة أخلاقية عميقة.
عندما سلّم باغليوني تسجيلاته لخوارزميات الذكاء الاصطناعي، تمكنت الأدوات من تصنيف آلاف الساعات وتحديد نبرة موجهة بشكل دقيق: “هيا جميعاً! احضروا للمساعدة!”؛ وهي إشارة تطلقها الغربان للوقوف في وجه تهديد يواجه عشها. بيد أن هذا الكشف الذي بدأ من منطلق علمي، تحول سريعًا إلى معضلة أخلاقية. ماذا لو استخدم أحد بني البشر هذا الصوت لغايات غير سليمة، مثل استدراج الطيور عبر مكبر صوت؟
التحذير لم يأتِ في البداية من جمعيات حماية الحيوان، بل من العلماء أنفسهم. حيث يحذر باغليوني من أن إعادة تشغيل هذه النداءات بشكل اعتباطي يؤدي إلى إنهاك الحيوانات، وتخريب مجتمعاتها، وإدخالها في صراعات غير موجودة على أرض الواقع. “أنت تسرق لغتها لتدمرها”، هكذا تصف التقارير الوضع.
على الجانب الآخر، أشار سيزار رودريغيز غارافيتو، مدير برنامج “الحياة بعد الإنسانية” في إحدى الجامعات الأمريكية، إلى المخاطر المحتملة. ففي تقريره لعام 2025، حذر من إمكانية تحوّل هذه التكنولوجيا إلى أدوات للضرر، بدءاً من صيادين يستخدمون خداعا ذكائيا لجذب الفريسة، وحتى تجمعات بشرية متهورة ترغب في التواصل مع الحياة البرية دون اعتبار لتأثير ذلك على البيئة والنفسية.
التجارب السابقة تخبرنا عن المخاطر، ففي عام 2007، أقدمت عالمة أحياء على تشغيل تسجيل لصوت فيل متوفى لأنثى فيل، مما تسبب لها في صدمة نفسية. ومع التطور التكنولوجي الحالي، يمكن تصنيع آلاف الأصوات بدقة مذهلة.
هذه الحوادث تذكرنا أن التفاعل مع عالم الحيوان ليس مجرد مسعى تقني، بل هو واجب أخلاقي. والأسئلة المحورية تبرز: هل نحن قادرون حقًا على فهم لغات الحيوانات، أم أننا نخلق أداة جديدة لاستغلالها؟ العلماء الذين يقودون هذه الأبحاث يذكروننا بأن التطور التقني يجب أن يرافقه وعي أخلاقي. فالحيوانات ليست مجرد مواضيع بحثية، بل هي كائنات تشعر وتستحق أن تُفهم بشكل صحيح، لا أن تُستغل.

