دير الزور كما لم تشهدها من قبل.. مقاهي «الحمام والجراديق وغبيني» وغيرها في ذكريات خالدة
لم تكن المقاهي في دير الزور يوماً مجرد أماكن لشرب قهوة أو شاي، بل كانت جزءاً من الحياة اليومية وذاكرة المدينة الحية، حيث يلتقي سكان المدينة مع زوار الريف، وتجمع المقيم بالعابر والمتقاعد برفيق شبابه. مثل دير الزور القديم «بين القهوة والقهوة مقهى، وبين الشارع والشارع تلاقي قهوة» يصف الانتشار الواسع لهذه الأماكن في الأحياء والأسواق، والخصوصية تكمن في تباين هوية كل مقهى، مما يعكس طبيعة رواده وطقوسهم الاجتماعية.
يراقب سكان المدينة مثل عبد الله مروان تغير نمط المقهى في دير الزور عبر الزمن، ففي الصباح يأتي زوار عابرون مثل أصحاب الأعمال المرتبطة بالمحكمة والبلدية أو الأطباء، مع حضور محدود للزبائن الدائمين. بينما في المساء، يتوافد الرواد المعتادون لأحاديثهم ومباريات الورق، مثل «البوراكو» الشهيرة في دير الزور، ومتابعة مباريات الدوريات الأوروبية، مما يضفي على المقاهي طابعاً خاصاً.
أماكن مثل «مقهى الحمام» فيحتفظ بنكهة فريدة في الذاكرة الديرية، إذ أصبح ملتقى للمهتمين بالطيور، وأسس رواده مجتمعاً افتراضياً عبر منصة التواصل الاجتماعي، حيث يناقشون عالم الطيور بكافة تفاصيله.
«كِرمز» يعد ملجأً للمسنين والمتقاعدين، ويتميز بمقاعده القصيرة وطاولاته التقليدية، بينما «غبيني» حافظ على خصوصيته خلال شهر رمضان، حيث كان ملاذاً للمسلمين غير الصائمين.
وتسجل ذاكرة دير الزور أيضاً «الجراديق» المقامة على ضفاف نهر الفرات، حيث امتزج الصوت العذب لنجوم الطرب العربي مع أجواء الهدوء. ولا تغيب عن الذاكرة «قهوة الحمالة» أو «الشوفيرية» التي كانت ملاذاً لعمال الشحن، مكونة جزءاً من حياة المدينة اليومية.
إن استمرارية هذه المقاهي في ذاكرة دير الزور لا ترجع إلى مبانيها أو أثاثها، بل لأنها تبقى شاهدة على حكايات مدينة تغيرت ملامحها، حيث لم يبق من أحيائها سوى أربعة من أصل ثمانية وعشرين، إلا أن «الطبلة» وكأس الشاي تظل تذكر بوجوه الغائبين وحكايات الماضي ودفء دير الزور الذي يصعب نسيانه.

