القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

العمامة الفراتية.. نسج من وبر الماعز يحتفظ بذاكرة المجتمع وعزّة خالدة
منوعات

العمامة الفراتية.. نسج من وبر الماعز يحتفظ بذاكرة المجتمع وعزّة خالدة

في عصر تتغير فيه الأزياء بسرعة، وتتنافس الأجيال نحو الملابس العصرية، ما تزال القطع التقليدية كالعقال والشماغ والجلابية والعباءة تحتفظ بمكانتها في المجتمع المحلي لأهالي دير الزور، حاملةً معها صورة للرجل الفراتي وذاكرة المكان. ورغم تراجع استخدامها في الحياة اليومية، لم تختفِ تماماً، بل أصبحت رمزاً للهوية والاعتزاز بالتراث.

العقال ليس فقط حلقة سوداء توضع على الرأس، بل له قصة تعود لأكثر من 1300 عام، وفقاً للباحثين، ويربط الباحث عامر النجم بداياته بالشرق العربي، خاصة في سوريا والعراق، قبل أن ينتشر في أنحاء عربية أخرى. تتعدد الروايات حول تسمية العقال، وأكثرها شهرة تربطها بالقوافل العربية التي كانت تعبر الصحراء، حيث كان شعر الماعز يُستخدم لربط وتثبيت الإبل، ومن هنا جاءت فكرة “عقل الشيء”، أي ربطه. بمرور الوقت، تحول العقال إلى جزء من اللباس الفراتي واكتسب معانٍ اجتماعية متنوعة.

في الأسواق التراثية في دير الزور، يحتفظ حامد الضياء، صاحب متجر وراثي لبيع الأزياء التقليدية، بتفاصيل تصنيع هذا التراث. يقول الضياء إن العقال كان يُصنع من خيوط من صوف الماعز، قبل أن يدخل القطن والحرير في صناعته، موضحاً أن أسعاره تتغير حسب نوع الخيط وجودته. ورغم التطورات في المواد والتصاميم، بقيت الصناعة اليدوية موجودة، ومن الأنواع الشهيرة العقال المصنوع من شعر الماعز، في حين ظهرت أنواع أكثر تطوراً بألوان وأشكال متعددة كالأصفر والأخضر، وبأشكال هندسية متنوعة. يكمل الزي العربي بارتداء الجلابية الفضفاضة، يتبعها الشماغ أو الغترة، ويأتي العقال فوق الرأس، مع إضافة العباءة في الصيف والفروة في الشتاء.

لكن قيمة العقال تتجاوز مظهره، إذ ارتبطت حركاته واستخداماته بدلالات اجتماعية وقبائلية. تنكيسه كان يدل على الحزن أو طلب الانتقام، ورميه على الأرض يعبر عن وصول الخلاف إلى أقصى حدود، في حين أن نزعه من الرأس أمام الناس كان يعد إهانة كبرى. كان العقال قديماً يساعد في التعرف على انتماء الشخص من خلال طريقة ارتدائه وشكل “الشرشوبة”، إذ اختلفت أساليب وضعه بين المناطق والقبائل. يرى محمود سليمان، من سكان ريف دير الزور، أن الحفاظ على الزي التقليدي يبدأ من الأسرة، داعياً لتوريثه للأبناء حتى لا يصبح جزءاً من الماضي.

رغم تراجع الشعبية في المدن أمام الأزياء الحديثة، يحتفظ العقال بمكانته في الريف والمناسبات الاجتماعية، ليبقى شاهداً على قصة مجتمع وقيم الرجولة والانتماء، ويربط الحاضر بذاكرة أعمق من تبدل الأزياء نفسها.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك