صناعة قصب الزل.. مهنة فراتية تصارع النسيان وتحافظ على تراث دير الزور
على ضفاف الفرات، يظل قَصَب الزَلّ يُشكل جزءًا من التراث الشعبي لسكان دير الزور، حيث تتحول أعواده التي تنمو قرب المياه إلى منتجات متعددة الاستعمالات، تمثل حرفة يدوية تناقلتها الأجيال، وتقف صامدة أمام الاندثار رغم تحديات العمل وانخفاض قيمته المادية.
وبحسب المهندس الزراعي محمد العُمير، يعد الزَلّ نباتًا عشبيًا ينمو في المناطق الدافئة والرطبة، خاصة وادي الفرات، ويمتد موسم حصاده من الشهر السادس حتى العاشر. وتنتشر أعواده على ضفاف الفرات وفي المصارف الزراعية، وتعتمد صناعته على مواد طبيعية تحتاج لمهارة يدوية وجهد وليست أدوات معقدة.
استخدم أهل المنطقة الزَلّ والبردي في الماضي لصنع “الزروب”، التي كانت تزين الخيام البدوية، وامتدت استخداماتها لتشمل أسقف المنازل الطينية والحظائر والعرائش والمظلات أمام المنازل والمحال التجارية، بالإضافة إلى السلال والأدوات التقليدية.
يرى العمير أن الزَلّ يمتلك استخدامات طبية وصناعية متنوعة، فضلاً عن دوره في العمارة الريفية، حيث يضفي جمالًا وعراقة ويقدم الظل والبرودة في الصيف.
تحافظ النساء في ريف دير الزور على هذه الحرفة المرتبطة تاريخيًا بالمرأة الفراتية، إلى جانب مهارات أخرى مثل صناعة الخيام والبسط من الصوف. ويشير الباحث غسان رمضان إلى أن النساء يحولن قَصَب الزَلّ إلى أشكال وأدوات تراثية، وتمثل هذه الحرفة لبعضهن مصدرًا للدخل.
تروي وحيدة العبدالله من سفيرة بريف دير الزور الغربي أنها تعلمت الحرفة من عائلتها وأصبحت مصدر رزق لها، موضحةً أن العمل يبدأ بجمع الأعواد، ثم إزالة الطبقة الخارجية وتثبيتها بين عمودين بطول مترين ونصف، قبل البدء بالحياكة باستخدام الخيوط والأدوات البسيطة.
تنتج العبدالله حوالي أربعة إلى خمسة أمتار يوميًا، وتحتاج القطعة الواحدة يومين لإنجازها. هناك نوعان من الزَلّ: “صمان” الصلب المتوفر في الشتاء، والآخر أجوف وخفيف الوزن. رغم المخاطر والجهد المبذول، إلا أن العائد المالي لا يوازي الجهد، لكن العبدالله تتمسك بهذا الإرث.
تبقى حياكة قَصَب الزَلّ أكثر من مجرد حرفة، فهي ذاكرة حية لعلاقة الإنسان الفراتي ببيئته، وإرث يتطلع ممارسوه لنقله إلى الأجيال القادمة حفاظًا على هوية المنطقة.

