جني الزيتون.. عندما تصبح المزارع احتفالاً عائلياً
مع أولى نسمات الخريف، تعود شجرة الزيتون إلى ذاكرة الأسر السورية، حيث تتحول البساتين إلى مواقع للعمل والبهجة واللقاء. فموسم القطف ليس مجرد وقت لجني الثمار، بل هو فرصة اجتماعية تنتقل عبر الأجيال، تختلط فيها عطر الأرض مع الأغاني والحكايات العائلية.
منذ الفجر، يتوزع العمل بين أفراد العائلة؛ الكبار يتولون القطف أو إسقاط الزيتون برفق، بينما يجمع الأطفال الثمار المتساقطة على الأقمشة الممتدة تحت الأشجار، وبين حركة الأيدي وصوت الزيتون المتساقط، تعلو الأغاني الشعبية وتتبادل العائلات الأحاديث والذكريات.
وتصف السيدة أم فايز صوت الزيتون أثناء ارتطامه، بأنه “لحن فريد” يضيف للمكان جوًا خاصًا، وبعد ساعات من العمل، تجتمع العائلة لتناول الأطعمة التقليدية والمشروبات الدافئة كالمتة والشاي في الحقل.
ويعتبر محمد كحلة أن القطف هو فرصة لاستعادة التراث الاجتماعي، خاصة “الهجيني”، الذي يبدأه شخص ويكمل الآخرين، مما يضفي أجواء من المرح. كما أن الموسم يمثل مصدر دخل أساسي للعديد من العائلات، مما يمنحه أهمية اقتصادية بالإضافة إلى قيمته الاجتماعية.
في ريف طرطوس، يتم تنظيم أدوار العمال بمسميات محلية. ويشير أبو حسن من قرية حبابة إلى أن أدوار العمال تشمل “النابور” و”اللاقوط”. حيث يشرف “النابور” على فرش الأقمشة تحت الأشجار وإسقاط الثمار من الأغصان العالية باستخدام العصا ويجهز الأكياس للنقل إلى المعاصر، ويمكنه اختيار مساعدين له.
أما “اللاقوط”، فيجمع حبات الزيتون المتناثرة ويعبئها في السلال والأكياس، وغالباً تشارك النساء في هذه المهمة. يستطيع العامل الجاد التنقل بين الأدوار وفقاً للحاجة. بعد القطف، يأتي دور “العافور” للبحث عن الثمار المتبقية.
تحدد الأجور الاسترشادية بـ800 ليرة لـ”اللاقوط” و1000 ليرة لـ”النابور”، ويقول فادي عباس، مزارع من الدريكيش، إن الأجر النهائي يعتمد على الاتفاق بين العامل وصاحب الأرض، نظراً لتفاوت طبيعة الأراضي وظروف العمل.
رغم ارتفاع التكاليف وتغير أنماط الحياة، إلا أن الزيتون يحتفظ بمكانته في الذاكرة الشعبية. كانت أيام القطف مناسبة تنتظرها الأسر، وزادت الحاجة الآن إلى إحياء هذه الثقافة من خلال الأنشطة المدرسية والمبادرات المجتمعية، لتبقى شجرة الزيتون رمزاً للتراث وذاكرة للأرض وحكاية للأجيال.

