القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

لا وقت للاسترخاء.. كيف نصون أذهاننا من ثقافة العمل المتواصل؟
مجتمع

لا وقت للاسترخاء.. كيف نصون أذهاننا من ثقافة العمل المتواصل؟

في أزقة دمشق، حيث تتشابك ضغوط الحياة مع متطلبات العمل اليومي، يجد العديد من الأفراد أنفسهم محاصرين بين ضغوط “الكفاءة” و”الإجهاد”. إلا أن الباحثين في مجال الصحة النفسية يرون أن العبارة المتداولة بين الموظفين والتي تقول “لا وقت للراحة، الراحة للبطّالين” ليست سوى ستار يخفي أزمة نفسية متزايدة. فهل نحن أمام ثقافة إنتاجية سليمة، أم أننا نقف على أعتاب عصر جديد من الإرهاق المخطط؟

يشير رامي صبرا، المختص في الصحة النفسية، إلى أن الإرهاق النفسي تجاوز كونه حالة فردية ليصبح مشكلة مجتمعية تؤثر على شرائح واسعة في سوريا، بدءًا من المعلمين وحتى الأطباء والموظفين. ويفسر صبرا هذا الاحتراق بأنه يبدأ بحماس مفرط، يتبعه جمود تدريجي، وصولاً إلى إحباط عميق ولامبالاة واكتئاب. ويشير إلى أن الإرهاق الانفعالي هو أبرز عناصر هذه الظاهرة، حيث يشعر الفرد بالإجهاد في العمل حتى بعد فترات الراحة، ويرافقه شعور بالهزيمة والفراغ.

يوضح صبرا أن الراحة تمثل ضرورة بيولوجية لا يمكن التفاوض حولها. فالإنسان الذي يعيش في حالة استعداد دائم يعتاد جهازه العصبي على التوتر المستمر، مما يجعل الهدوء أمرًا غير مريح. تعزيز الجهاز العصبي اللاودي، المسؤول عن الاسترخاء، هو حاجة ملحة تمامًا مثل حاجة الرياضي إلى فترات استراحة.

فيما يتعلق بمنطقة الراحة، يطرح صبرا وجهة نظر مختلفة، مشدداً على أن منطقة الراحة ليست مصيدة يجب الخروج منها بأي ثمن، بل هي نقطة البداية الطبيعية لأي شخص. يشير صبرا إلى ضرورة الانتقال التدريجي من منطقة الراحة إلى منطقة التعلم، دون القفز مباشرة إلى منطقة الذعر والتي قد تؤدي إلى ما يسميه الباحثون الانتحار النفسي أو الوظيفي.

على المستوى المجتمعي، يزيد الاحتراق النفسي من حدة المشكلات، حيث تظهر البيانات ارتفاعًا كبيرًا في معدلات الاكتئاب واضطرابات التوتر في سوريا. ويطال الإرهاق الأطباء والمعلمين والمتطوعين الذين يواجهون تحديات متزايدة دون دعم كافٍ.

يقدم صبرا خطوات عملية للتعافي من الإرهاق النفسي، مشيراً إلى أهمية البرامج الإرشادية التي تسهم في تعزيز المرونة النفسية، وإعادة تعريف الراحة كمكون لاستعادة النشاط. يبرز أهمية السكون النشط، الذي يتيح للأفراد مواجهة الأفكار وتقبل الصمت، بعيدًا عن مشتتات الحياة اليومية.

ختامًا، يؤكد صبرا أن الاستثمار في المجتمع يبدأ بالاعتراف بأهمية الراحة، فهي ليست عيبًا بل عنصر أساسي للإبداع والاستمرارية. وتبقى الأسئلة قائمة حول ما إذا كان الإنجاز السريع هو معيار قيمة الإنسان، أو إذا كنا نعمل لنعيش أم نعيش لنعمل. الإجابة تكمن في إعادة اكتشاف قيمة الراحة، حيث تتجدد الطاقة وتتفتح الأفكار.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك