من النهر إلى الشاطئ.. «المنقلة» لعبة تقليدية تصون تراث السوريين
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى كلعبة بسيطة تتطلب مجرد لوحة خشبية وبعض الأحجار، لكن ما إن يجلس لاعبان وجهاً لوجه حول “المنقلة” حتى تتحول إلى مجال للتنافس والحساب والذاكرة. من دير الزور والرقة والحسكة في الشرق، إلى القرى والمناطق الريفية في الساحل السوري، احتفظت اللعبة بشعبيتها عبر الأجيال في المنازل والمقاهي والساحات.
يقول عبد الله الحسين إن “المنقلة” كانت جزءاً من حياة المقاهي والمنازل وأماكن التجمع، خاصة في فترة ما بعد الظهر، عندما ينتهي الناس من شؤونهم اليومية ويبحثون عن فسحة استرخاء وحوار. لا تحتاج اللعبة سوى إلى لوح خشبي مزود بأربع عشرة حفرة، سبعة لكل لاعب، وعدد من الحصى.
يوضح ذيب الحسين قواعد اللعبة قائلاً: إن لكل لاعب سبع حفر أو “منازل”، توضع في كل واحدة منها سبع حصوات عند بدء اللعبة. يبدأ اللاعبان بنقل الحصى من مكان لآخر وفقاً لقواعد محددة، سعياً لجمع أكبر عدد من حصى الخصم. يتطلب الفوز تركيزاً وخبرة وقدرة على توقع حركة المنافس.
ويشير حسن السلمان إلى وجود قواعد خاصة في اللعبة، مثل “المحللة” و”المحرمة”، وهي مصطلحات شائعة بين اللاعبين تتعلق بطريقة احتساب الحصى وأخذها. يجتمع اللاعبون في المقاهي والساحات وأمام البيوت الريفية، خاصة كبار السن، حول لوح خشبي بأربع عشرة حفرة.
ويصف يحيى، أحد اللاعبين، المنقلة بأنها لعبة ثنائية تُلعب على تجاويف في لوحة خشبية، مشيراً إلى أن الفوز يحتاج إلى تفكير حسابي يتطلب الخبرة والفطنة. رغم أن الشرق السوري يحتفظ بالمنقلة كجزء من تراثه، إلا أن اللعبة تُمارس أيضاً في المناطق الريفية الساحلية كوسيلة للترفيه وتنظيم مباريات ودية.
ويرى الباحث عامر النجم أن المنقلة تتخطى كونها مجرد لعبة، فهي تُعتبر “وثيقة شعبية حية” تعكس الهوية الثقافية السورية وقدرة العادات على الاستمرار رغم التغيرات الاجتماعية. تُنقل قواعدها عبر المشاهدة والممارسة، حيث يتعلم المبتدئون من اللاعبين المخضرمين.
بغض النظر عن المسافة الجغرافية بين الشرق والساحل السوري، يُختصر كل شيء داخل لوحة المنقلة: لاعبان، حفرتان سبع لكل لاعب، و98 حصاة تتحرك بينهما. لعبة تبدو بسيطة في أدواتها، لكنها تحمل في عمقها إرثاً اجتماعياً واسعاً، كلما جلس شخصان للعب، تبدأ الحصوات رحلة جديدة من بيت إلى آخر.

