القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

حقائب فوق الرفوف وملابس داخلها لا تخرج
أخبار المحافظات

حقائب فوق الرفوف وملابس داخلها لا تخرج

الحرية – إسماعيل النجم:

قد تصبح قطعة اليوم تراكمات الغد، وما يبدأ بفستان لا تريده صاحبته أن تتخلى عنه قد ينتهي بخزانة مكتظة وغرفة تضيق بمن فيها. خلف الأبواب المغلقة، لا تتجمع الملابس فحسب، بل ترافقها الذكريات والمخاوف وقصص “قد أحتاجها ذات يوم”. وعندما يصعب التخلص من قميص أو معطف أكثر من الاحتفاظ به، تبدأ القصة بالانتقال من حدود الموضة إلى نطاق أكثر تعقيداً.

كلما فتحت هدى خزانتها، لا ترى فقط ملابس، بل أعواماً من الخيارات المؤجلة. فستان لم ترتده منذ سنوات، معطف لم يعد يلائمها، وقطع خرجت من الموضة لكنها لا تزال معلقة كأنها تنتظر وقتاً لن يأتي.

تمد هدى يدها نحو إحدى القطع، لكنها تتراجع. “قد أحتاجها يوماً”، تقول لنفسها، وربما تعود تلك الموضة، أو تأتي لها مناسبة. وهكذا تعود القطعة لمكانها، ويغلق باب الخزانة، بينما تزداد الكومة خلفه يوماً بعد يوم.

بين الحب والجمع

المشهد قد يظهر للوهلة الأولى مجرد إعجاب بالملابس أو تعلق بشراءها، لكن الخط الفاصل بين الخزانة الممتلئة والجمع يبدأ بالظهور عندما يصبح التخلص من الأشياء مصدراً للإزعاج، أو عندما تتحول الممتلكات إلى حاجز أمام استخدام المنزل بشكل طبيعي.

توضح المرشدة الاجتماعية نهى حمزة أن اضطراب الجمع لا يعني ببساطة امتلاك العديد من الأشياء، بل يرتبط بالصعوبة الدائمة في التخلي عنها، حتى عندما تكون قليلة الاستخدام أو دون قيمة عملية واضحة. ومع استمرار التراكم، يمكن أن تتحول المقتنيات إلى أكوام تملأ الغرف والخزائن والممرات، فتنتزع من المكان وظيفته الأصلية.

وفي عالم الملابس، تقول حمزة إن القصة قد تبدأ بقطعة إضافية، ثم حقيبة توضع جانباً “لحاجة مستقبلية”، ثم صندوق أو حقيبة تمتلئ بالملابس. لا تبدو كل خطوة خطيرة بمفردها، لكن مجموعها قد يصنع مشهداً مختلفاً تماماً: خزانة لا تكاد تُغلق، وغرفة تضيق بالحركة، ومساحة للعيش تتراجع أمام مساحة الأشياء.

مع تبدل الفصول

وتأخذ هذه الظاهرة شكلاً واضحاً مع تبدل الفصول، إذ يقول مازن، وهو أحد سكان المزة، إن بعض العائلات تُخرج حقائب الملابس عند بداية موسم الصيف أو الشتاء وتفرد محتوياتها وتعيد ترتيبها، قبل أن تعاد إلى الحقائب بعد انتهاء الموسم دون استخدام أجزاء كبيرة منها.

ويرى أن النساء وكبار السن أكثر تمسكاً بهذه المقتنيات، إذ يصعب عليهم التخلي عن أي شيء، حتى عندما يكون التبرع به للأقارب خياراً قائماً.

في هذه الحالة، لا تعود الملابس شأناً فردياً فقط، إذ يرى المهندس بسام أن أفراد الأسرة قد ينظرون إلى هذه الملابس باعتبارها أشياء قديمة يجب التخلص منها، بينما يراها صاحبها ممتلكات تحمل قيمة أو ذكريات أو احتمالاً لاستخدام مستقبلي. وبين النظرتين ينشأ خلاف متكرر، فالأسرة تريد بيتاً أكثر ترتيباً، بينما يشعر صاحب المقتنيات أن محاولة التخلص منها تمثل ضغطاً عليه أو انتزاعاً لشيء يرتبط به عاطفياً.

التدرج بدلاً من الإجبار

لكن إخراج الملابس من الخزانة بالقوة ليس بالضرورة هو الحل الأسرع. تبين وداد أن التعامل مع المشكلة يحتاج إلى التدرج لأن الضغط للتخلص من المقتنيات قد يزيد التوتر بدلاً من معالجة جذور المشكلة. وترى أن الدعم يساعد الشخص على فهم علاقته بالأشياء وإعادة النظر في الأفكار التي تجعله يشعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عنها.

وراء كل قطعة محتفظ بها، قد تختبئ قصة مختلفة: خوف من الندم، ذكرى قديمة، رغبة في الشعور بالأمان، أو فقط اعتقاد بأن الاحتفاظ بالشيء أفضل من مواجهة احتمال الحاجة إليه لاحقاً. لذلك قد لا تكون المعركة الحقيقية مع الملابس، بل مع المشاعر التي تجعل التخلي عنها أمراً بالغ الصعوبة.

فعندما تصبح الخزانة أكبر من حاجات أصحابها، وتتحول الملابس من وسيلة للتزين إلى مصدر للفوضى والضغط، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نحن نحتفظ بالأشياء لأننا نحتاجها، أم لأننا نخشى فقدانها؟ وعند هذه النقطة، لا يعود ترتيب الخزانة مجرد مهمة منزلية، بل محاولة لاستعادة مساحة للعيش بين الأشياء.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك