عندما يتولى الذكاء الاصطناعي التفكير عنا.. هل أصبحت جلسات التفكير الإبداعي من الماضي؟
في أحد مقاهي دمشق، يفتح شاب هاتفه قبل أن يفتح دفتره، أمامه فكرة لمشروع صغير، لكنه لا يعرف كيف يختار اسمه، ولا كيف يروج له، ولا حتى من أين يبدأ.
قبل أعوام، كان سيجلس مع أصدقائه، يرسم أفكاره على ورقة، ويناقشهم، ويعدل ويضيف حتى يصل إلى صيغة مقبولة، اليوم، يكتب سؤاله في إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، وبعد ثوانٍ يحصل على أسماء وخطة تسويق وشعار وأفكار للنشر.
انتهى التردد، لكن هل انتهى معه جزء من التفكير؟
**من الصحافة إلى الجامعة**
المشهد لم يعد غريباً، فالذكاء الاصطناعي دخل إلى المكاتب والجامعات وغرف الأخبار ووكالات الإعلان، وأصبح قادراً على اقتراح النصوص والصور والتصاميم والأفكار، وتحليل البيانات، وحتى بناء خطط العمل، وما كان يحتاج إلى اجتماع بشري طويل أصبح، في كثير من الأحيان، يحتاج إلى سؤال واحد.
محمد، 27 عاماً، صحفي في دمشق، كان يبدأ إعداد التقرير بالاتصال بمصادره، ثم يجمع ملاحظاته ويكتب مجموعة من العناوين على ورقة قبل أن يقرر زاوية الموضوع، أما اليوم، فأصبح قادراً على طلب عشر زوايا مختلفة خلال دقائق.
يقول محمد: “أصبحت أصل إلى الفكرة أسرع، لكنني أحياناً أجد نفسي أختار من الأفكار الموجودة بدلاً من البحث عن فكرة لم يقترحها أحد”.
وهنا تكمن إحدى المفارقات: لم يعد الصحفي يعاني من الصفحة الفارغة، لكنه قد يواجه مشكلة أخرى، صفحة ممتلئة بأفكار جاهزة لا تحمل بالضرورة بصمته الخاصة.
وفي الجامعة، تواجه رنا، 21 عاماً، مشكلة مختلفة. تعرف المطلوب منها، لكنها لا تعرف كيف تبدأ، تستعين بأداة ذكية تقترح عنوان البحث ومحاوره والأسئلة التي يمكن مناقشتها.
تقول: “أحياناً أشعر بأنني لم أعد أبحث عن الفكرة، بل أبحث عن أفضل فكرة من بين الأفكار التي أعطتني إياها الأداة”.
**وفرة الخيارات.. تحدٍ جديد**
أما مازن، مصمم إعلانات، فقد انتقل من قضاء ساعات في رسم التصورات الأولية ومناقشتها مع فريقه إلى إنتاج عشرات النماذج البصرية خلال وقت قصير، بدا الأمر في البداية حلماً مهنياً: نماذج أكثر، ووقت أقل، وتكلفة أخف، لكن وفرة الخيارات فرضت تحدياً جديداً.
يقول: “عندما تصبح لديك خمسون فكرة خلال دقائق، يصبح اختيار فكرة أصلية أصعب من ابتكار فكرة واحدة”.
وفي شركة خاصة، تلاحظ ليان، 30 عاماً، أن اجتماعات فريقها تغيرت أيضاً، فبعد أن كانت ورقة كبيرة تتوسط الطاولة، ويكتب كل شخص اقتراحه قبل أن يبدأ النقاش، أصبحت الاجتماعات أحياناً تبدأ بقائمة مقترحات أنتجتها أداة ذكية.
تقول: “أصبح الاجتماع أقصر، لكن النقاش أحياناً أصبح أقل، كأننا نراجع إجابة موجودة بدلاً من أن نبني الإجابة معاً”.
**الذكاء الاصطناعي في الصحة**
ولا يتوقف استخدام الذكاء الاصطناعي عند العمل والدراسة والإبداع، فقد دخل أيضاً إلى مساحة أكثر حساسية، وهي الصحة. حيث يكتب بعض المستخدمين وصفاً لألم في الرأس أو البطن أو الصدر، طالبين تفسيراً للأعراض والاحتمالات الممكنة.
قد تكون هذه الأدوات مفيدة في تنظيم المعلومات، لكنها لا تفحص المريض، ولا تقيس علاماته الحيوية، ولا تجري التحاليل أو الصور الطبية، والخطر يبدأ عندما ينتقل المستخدم من سؤال “ما الاحتمالات؟” إلى قناعة “لقد عرفت الآلة مرضي”.
فالطبيب لا يعتمد على وصف الألم وحده، بل يسأل ويفحص ويراجع التاريخ المرضي، وقد يطلب تحاليل أو صوراً طبية قبل اتخاذ القرار.
**شريك لا بديل**
ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي عدو للإبداع أو المعرفة، يمكن استخدامه كشريك في توليد الأفكار، ومساعد في تنظيم المعلومات وتوسيع الاحتمالات، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الأداة هي الطرف الذي يفكر أولاً، والإنسان هو الذي يوافق لاحقاً.
فالعصف الذهني البشري يقوم على الاحتكاك والاختلاف والأسئلة والأخطاء، فكرة سيئة قد تستفز فكرة أفضل، وسؤال بسيط قد يقود إلى اتجاه جديد، وحديث عابر قد يتحول إلى فكرة صحفية أو مشروع تجاري.
قد تستطيع الآلة اقتراح ألف فكرة في دقيقة، لكنها لا تعيش حياة الإنسان نيابة عنه.
**الخلاصة**
قد لا يكون التحدي في أن نفكر بالذكاء الاصطناعي، بل في ألا نتوقف عن التفكير بأنفسنا. فالأداة تستطيع أن تقترح وتختصر وتولّد الاحتمالات، لكنها لا تملك تجاربنا وأسئلتنا وفضولنا. وربما يصبح امتلاك القدرة على الاختيار والمراجعة والاعتراض أهم من امتلاك ألف إجابة جاهزة.

