المتقاعدون.. الفئة المهملة تبحث عن تأمين اجتماعي يصون كرامتها
يواصل أبو أيمن، والذي تجاوز السبعين من عمره، العمل كسائق سيارة أجرة لمدة تصل إلى ثماني ساعات يوميًا. تعكس تجاعيد وجهه حياة مليئة بالتحديات والكدح اليومي، حيث لم يتوقف عطاؤه عند انتهاء خدمته في القطاع العام بعد ثلاثين عامًا من الجهد المتواصل والإخلاص. يقول بأسى: “لن نشعر براحة البال إلا عندما ننزل إلى القبر”، بهذه الكلمات يعبر أبو أيمن عن واقع حاله.
بداية مختلفة
التقاعد ليس نهاية الطريق، بل هو فصل جديد في حياة الإنسان. لكن بالنسبة لكثير من المسنين في سوريا، يصبح التقاعد مرحلة مليئة بالقلق والحاجة إضافة إلى الشعور بالوحدة. وتؤكد الباحثة النفسية عزة الكردي أن المشكلة تتجاوز موضوع الدخل المنخفض، فالمتقاعد قد يجد نفسه في مواجهة تحديات مادية متزايدة، حيث لم تعد المعاشات تغطي نفقاته الضرورية. رغم قرارات زيادة هذه المعاشات بنسبة 30% في عام 2026، إلا أن الحاجة الملحة إلى نظام أشمل وأدوم لرعاية المسنين ما زالت قائمة.
واقع صعب
تشير الباحثة الكردي إلى أن الأثر النفسي الذي يشعر به المتقاعد يكون في الأغلب خفيًا لكنه شديد التأثير. يفتقد المتقاعد دوره اليومي وعلاقاته المهنية والشعور بأن له دور فعال ومطلوب. يشعر البعض بأنهم أصبحوا عبئًا على أبنائهم، خاصة عند الحاجة إلى المساعدة في أمور كانوا يقومون بها بأنفسهم، مما يعزز مشاعر الحزن والعزلة وفقدان القيمة، خاصة مع الضغوط الاقتصادية أو المرض أو فقدان الشريك.
البحث عن حلول
ما الحل إذن؟ تدعو الكردي إلى تعاون ما بين الدولة والأسرة والمجتمع، مؤكدة على ضرورة توفير الجهات المعنية نظام حماية اجتماعية يوفر للمتقاعد دخلًا كريمًا، بالإضافة إلى خدمات صحية واجتماعية ميسرة، وتتضمن برامج دعم نفسي ومراكز نهارية تشجع على التواصل والمشاركة.
الاستفادة من خبراتهم
كما يمكن الاستفادة من خبرات المسنين بدلاً من اعتبارهم خارج دائرة الإنتاج. يمتلك الكثير منهم مهارات مهنية وحياتية يمكن تمريرها للأجيال الجديدة من خلال التدريب والاستشارات والعمل الجزئي. لا يتوقف الأمر على الدعم المالي من الأبناء، فأحياناً يكون للتواصل المستمر قيمة أكبر من المال.
الاستفادة من تجارب الآخرين
ويمكن النظر إلى تجارب دول أخرى كنموذج يحتذى به، فمثلاً في ألمانيا، لا يعتمد دعم كبار السن فقط على المعاش التقاعدي؛ بل هناك نظام تأمين يشمل مختلف جوانب الحياة. هذا لا يعني بالضرورة تطبيق النموذج الألماني بحذافيره، لكن يبرز أهمية أن تكون رعاية كبار السن مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع والجهات الحكومية.
تقدير حقيقي
احترام كبار السن يجب أن يظهر عبر توفير الأمان والكرامة لهم، وليس فقط من خلال الكلام والاحتفالات الشكلية. هؤلاء الأفراد قد أمضوا حياتهم في بناء مجتمعاتهم وأسرهم، ويستحقون أن يجدوا في سنواتهم الأخيرة بيئة تحميهم وأسرًا تحتضنهم ودولة أيضًا تدعمهم.

