القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

صقر منفرد قد يقلب الموازين.. خفايا الصيد في دير الزور
مجتمع

صقر منفرد قد يقلب الموازين.. خفايا الصيد في دير الزور

قبل شروق الشمس في بادية دير الزور، ينطلق الصيادون إلى مواقعهم، يستخدمون حفرة صغيرة مغطاة بقطعة قماش بلون الأرض، ويستعملون المنظار، مع تركيز أنظارهم على السماء، حيث قد يكون ظهور جناح طائر واحد كافياً لتغيير مجريات يوم كامل، ويفتح باب رزق لعائلات تترقب موسم الصيد.

مع بداية شهر سبتمبر، تنطلق رحلة البحث عن صقور “الحر” والشواهين، وتستمر وفقاً للصيادين حتى بداية ديسمبر، حيث تتحول المساحات الواسعة من البادية إلى أرض مفتوحة للصيد، وهو نشاط يتطلب معرفة بمواقع الطيور ومساراتها، وقدرة على التمويه وانتظار اللحظة المناسبة.

يرى محمد السهو، أحد الصيادين، أن الصيد لم يعد مجرد هواية متوارثة، بل أصبح مصدر دخل مهم للعديد من الأسر التي تنتظر الموسم للاستفادة من بيع الطيور. ومع ارتفاع أسعار بعض الصقور، تمثل رحلة الصيد فرصة لتحسين الدخل في ظل نقص مصادر الرزق.

يوضح الصياد محمد الشلاش أن يوم الصياد يبدأ بعد صلاة الفجر ويستمر حتى منتصف النهار، قبل التوقف خلال ساعات القيلولة، ثم العودة إلى البادية بعد صلاة العصر حتى غروب الشمس. في الماضي، كانت الإبل والخيل وسائل التنقل، ولكن اليوم تم استبدالها بالسيارات والدراجات النارية لتسهل الوصول إلى مناطق الصيد البعيدة.

في قلب الصحراء، تبدأ لعبة التمويه، يقوم الصياد بحفر حفرة صغيرة ويغطيها بقماش شبيه بلون الأرض، ثم يختبئ لمراقبة السماء، ويستخدم الحمام وطيور “الفري” كطعم، ويتعاون أحياناً مع الباشق لجذب الطيور الجارحة. يتم ربط بعض الطعوم بحبال تسمح بتحريكها باتجاه الشبكة عن بعد، مع اتخاذ احتياطات السلامة للحماية من الإصابة.

تصبح كل هذه الجهود ذات قيمة عندما يصبح الصقر محاصراً في الشبكة، ويشير الصياد زياد إلى أن أسعار “الحر” تبدأ من حوالي 10 آلاف دولار، وتصل إلى 30 ألف دولار للطائر الذي يحمل مواصفات استثنائية، من أهمها تجاوز طوله 40 سنتيمتراً وجمال الذيل والشكل.

في السوق، الطيور ليست متساوية، حيث يميز الصيادون بين أنواع مختلفة مثل الحر الروسي والفارسي والشامي والتركي، وتتنوع أنواع الشاهين بين الجبلي والبحري، بالإضافة إلى التسميات المرتبطة بعمر الطائر وحالته.

وللصيد قواعده الخاصة، يقول زياد إن “العرف” يحسم الخلافات بين الصيادين، وتحتوي السيارة عادة على صيادين، حيث يتولى أحدهم استخدام الشبكة ويحصل على جزء من قيمة الطائر المصطاد. ويضيف أن تحديد ملكية الطائر يكون لمن يراه أولاً، ولا يحق لآخر التدخل دون دعوة. وإذا شارك صيادون في صيد طائر، تصبح ملكية الطائر مشتركة بين مكتشفه ومن اصطاده.

ورغم الأسعار المرتفعة، السوق لا يخلو من المشكلات، ويذكر أحد الصيادين أن عملية البيع تواجه صعوبات نتيجة ما يسميه بتفاهمات بين الوسطاء على أسعار محددة وعدم وجود منافسة بينهم، مما يقلل من قدرة الصياد على التفاوض. كما يشير إلى أن الغالبية من الوسطاء يعملون لصالح تجار من مناطق ريفية في دمشق، الذين يبيعون الطيور لأسواق الخليج.

بهذه الطريقة، ومع حفرة في الرمل وشبكة تنتظر اللحظة المناسبة، تتحول رحلة الصيد في بادية دير الزور إلى موسم اقتصادي قصير، قد تبدأ قصته بمنظار موجه نحو السماء، وتنتهي بطائر نادر يحمل معه دخلاً تنتظره الأسر طوال العام.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك