القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

أوركيش.. موطن الحوريين الذي أظهر إرث الشرق العتيق ويحوي أقدم أسراره
أخبار المحافظات

أوركيش.. موطن الحوريين الذي أظهر إرث الشرق العتيق ويحوي أقدم أسراره

من وسط الجزيرة السورية، عند ملتقى طرق الشرق العريق، يرتفع تل موزان كدليل على نشأة واحدة من أبرز المدن القديمة في شمال شرق البلاد. الموقع بالقرب من عامودا، حوالي عشرين كيلومتراً غرب القامشلي، ويعود تاريخ أقدم مستوياته الاستيطانية إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، مع جذور تمتد إلى الألف الرابع قبل الميلاد.
هنا، صاغ الحوريون سمات مركز حضاري مميز عُرف باسم أوركيش، عاصمة أثيرة تحتل مكانة خاصة وتربطها بالإله كوماربي، الأب المعبودات في المعتقدات الحورية.

### مركز إقليمي مزدهر بالنحاس
بحسب الباحث محمد سليمان، لم تكن أوركيش تمثل مركزاً سياسياً بسيطاً، بل كانت عاصمة لمملكة إقليمية امتد نفوذها إلى الجبال الشمالية الغنية بالنحاس، مما منحها ازدهاراً اقتصادياً فريداً وجعلها محوراً تجارياً ومركزاً حضارياً بارزاً في المنطقة. وداخل هذه المدينة الاستثنائية، تميز المجتمع بإعطاء المرأة دوراً قيادياً في إدارة شؤون الدولة والإنتاج والحياة اليومية، كما تشير الأدلة الأثرية المكتشفة هناك.

### مجموعة من الأختام الملكية
يضيف سليمان أن أسرار هذه المدينة بدأت تتضح بشكل جلي منذ عام 1984، حين شرعت بعثة أثرية أمريكية برئاسة العالم “جورجيو بوتشلاتي” في التنقيب والبحث بالموقع، وتمكنت من كشف أجزاء كبيرة من أوركيش، إلى جانب معبد الأسد، واكتشفت مجموعة من طبعات الأختام الملكية التي تعود للألف الثالث قبل الميلاد، موفرة للباحثين معلومات قيمة عن حياة القصر والعلاقات الاجتماعية والإدارية في المدينة. تلك الأختام أوضحت المكانة البارزة التي شغلتها الملكات والنساء في تسيير شؤون الدولة، مؤكدة دورهن الفاعل والمنظم مع المسؤولين في متابعة الإنتاج وتنظيم الأمور الإدارية، وموثقة لآليات تنظيم الهدايا التي كان الفلاحون والحرفيون يقدمونها من داخل المدينة وخارجها، بالإضافة إلى الإشراف على المناسبات الرسمية.

### تحالف مع نارام سين
يوضح سليمان أن هذه الشراكة تجاوزت حدود الإدارة المحلية إلى التحالفات السياسية والدبلوماسية، حيث تزوج ملك أوركيش من ابنة نارام سين، الحاكم الأكادي القوي الذي سيطر على معظم الأراضي السورية، لكنه فضل الإبقاء على تحالف وثيق مع أوركيش.

### معبد كوماربي
على أعلى نقطة في الموقع، تتجلى العظمة المعمارية في معبد كوماربي، المبني فوق قاعدة حجرية كبيرة ومدرج رائع يعود إلى حوالي عام 2400 قبل الميلاد، ويعتقد أن الملك تيش أتال هو من شيده، مما يدعمه التماثيل البرونزية الرائعة للأسود التي عُثر عليها هناك. وتحت الطبقات المتعاقبة التي تشكلت بين 2200 و1400 قبل الميلاد من خلال التطور الحضري، يظهر القصر الملكي الذي يعود إلى نحو عام 2300 قبل الميلاد، كشاهد آخر على نمو أوركيش السياسي والعمراني.

### بناء الآبي
ومن بين البنى الأثرية غير الاعتيادية، يبرز بناء الآبي، وهو حفرة واسعة وعميقة كانت تُستخدم في الطقوس الدينية لاستحضار أرواح العالم السفلي، ومحاولة تفسير الأصوات التي كانت تُسمع منها، والتي وصفت بأنها تشبه زقزقة الطيور، من خلال وسيط ديني متخصص.

### براعة الحوريين
لا يقتصر تميز الحضارة الحورية على العمارة والإدارة، بل امتد إلى مجالات أخرى، كما يقول الباحث سليمان، حيث برع الحوريون في ترويض الخيول واستخدامها بمهارة، كما أضافوا للتراث الأدبي أساطير تناولت خلق الكون وصراعات الآلهة، إلى جانب الأناشيد الشعبية. كما دونوا لغتهم الخاصة، التي يعتقد العلماء بارتباطها بلغة أورارتو، مستخدمين الكتابة المسمارية، بجانب استخدامهم الأكادية والحثية في سياقات متنوعة.

### حماية التراث
اليوم، يمثل تل موزان نموذجاً فريداً في حفظ الآثار، باستخدام الخيم المعدنية لحماية الجدران الطينية من العوامل الجوية، وتعتمد البعثة نظام “سجل أوركيش العالمي” للنشر الرقمي، بهدف إتاحة هذا التراث الثقافي الفريد للزوار والباحثين حول العالم. وختاماً، يرى الباحث سليمان أن تل موزان ليس مجرد موقع أثري في الجزيرة السورية، بل هو دليل على مدينة حورية ازدهرت قبل آلاف السنين، تاركة وراءها إرثاً يكشف جوانب مدهشة من السياسة والإدارة والدين والثقافة ودور المرأة في واحدة من أقدم الحضارات الشرقية.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك