القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

تقليد عريق يمزج بين العمل والأنغام والتحدي.. هكذا يمر يوم الحصاد في دير الزور
أخبار المحافظات

تقليد عريق يمزج بين العمل والأنغام والتحدي.. هكذا يمر يوم الحصاد في دير الزور

قبل أن ترتفع الشمس إلى وسط سماء دير الزور، تكون مزارع القطن قد قطعت شوطاً كبيراً من يومها. تتحرك الأيدي بين النباتات البيضاء، وتُملأ الأكياس المتدلية حول الخصور، بينما تتردد أصوات العاملات مع نسمات الصباح. هنا، لا يبدأ موسم “الذهب الأبيض” مع بدء الحصاد وينتهي عند الميزان، بل يعيد الحقل خلال أسابيعه طقوساً قديمة تجمع بين العمل والغناء والمنافسة.

ويقول المزارع صالح العيد إن فرق الجني تبدأ عملها مبكراً، وعادة ما تكون النساء والفتيات في الصفوف الأمامية. مع الساعات الأولى، تصاحب الأيدي أهازيج موروثة عبر الأجيال، ومنها: “يا قطننا يا تيل.. فوق الغصن ميّل.. يا رب ترزقنا.. والخير يسهّل”.

بالنسبة لهناء الأحمد، إحدى المشاركات في الجني، ليست الأغنية مجرد خلفية للعمل، وفقاً لها، فهي تخفف من وطأة الساعات الطويلة وتحتفظ بإيقاع جماعي بين العاملات، وفي الحقول، تنتقل معها حكايات عن سنوات الشدة، وكيف واجهت الأسر ظروفها، فتتعلم الأصغر سناً من الأكبر سناً جزءاً من أسرار المهنة وتاريخ المكان.

وأضافت الأحمد: لا يخلو العمل من روح التحدي، فما إن تبدأ الساعات الأولى حتى يصبح لكل عاملة هدف تسعى لتحقيقه: من ستملأ كيسها أولاً؟ ومن ستصل إلى الميزان بالوزن الأعلى؟ تتسارع الأيدي، وتتبادل العاملات التعليقات والضحكات، وكلما امتلأ كيس، أُبعد ليبدأ آخر، في حين تظل أعين البعض على أكياس الآخرين، الفارق قد يكون بضعة كيلوغرامات، لكنه يكفي لفتح باب المزاح والمنافسة في اليوم التالي.

ويصف المشارك جاسم في موسم الجني لحظة الوزن بأنها الأكثر انتظاراً، يحضر “الشاويش” قائد الفريق بالميزان، تُسجل الكميات، وتتحول الأرقام إلى نتيجة يترقبها الجميع، صاحبة الوزن الأعلى لا تحصل على مكافأة مالية، ولكن اسمها يصبح حديث الفريق.

وفي منتصف النهار، تهدأ حدة السباق تحت ظل الحقول، لتقوم النسوة بفرش مائدة بسيطة من خبز التنور والجبن واللبن والتمر، ثم يأتي شاي الحطب كاستراحة قصيرة قبل العودة إلى العمل. وحين ينتهي النهار ويغادر العاملون الحقل، يبقى البياض على امتداد الأرض، فيما تحمل الأكياس إلى أماكن التخزين، أما ما حملته الذاكرة من أصوات وضحكات وأسماء الفائزات في سباق الجني، فيبقى خارج كل ميزان.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك