«حافظة» القمح.. مخزن مصغر استلمه الأبناء عن السلف والأجداد
تظل “الكوارة” المستعملة في تخزين القمح محافظة على قيمتها التراثية في بيوت سكان قرى السويداء. هنا، أمام مداخل منازلهم، يتواصل الحوار بين الماضي والحاضر، فتلك الصومعة المنزلية المتواضعة لا تزال ترحب بموسم القمح الجديد، مهيئة الأمهات والجدات لإشعال فرن الخبز من جديد، ليملأ عبق الخبز العربي الأجواء.
يصرح بعض الأهالي أن “كوارة القمح” كانت ولا تزال منفذاً مجانياً لتسويق محصول القمح المزروع في أراضيهم، ومخزناً تقليدياً لحفظ إنتاجهم حتى فصل الشتاء. لم تكن الفكرة وليدة اليوم، بل رافقت الأجيال منذ أوائل القرن العشرين حتى التسعينيات، ثم بقيت لسنوات في قائمة الذكريات. إلا أن العودة إلى الزراعة وإحياء تقاليد الحصاد دفع السكان إلى إزالة غبار الزمن عن جدرانها الطينية، ليعودوا إلى ماضي الأجداد وذكرياتهم.
ترتبط “الكوارة” بحبات القمح الذهبية في قصة عشق زراعية نسجها الفلاحون على مر العصور. استقر هذا الحب في “كواير” منازلهم التي لا تزال تحتفظ برائحة محصولهم. ومع عودة الأحفاد لتجديد ذكرى الأجداد، تستعيد هذه الصومعة الحياة مجدداً.
“كوارة القمح” ظهرت كأداة تخزينية منذ أكثر من مئة عام، وما زالت تحتفظ بحضورها على الرغم من مرور الزمن. آثار الأمهات والجدات مطبوعة على جدرانها، تذكر الأحفاد بتراثهم الغني وتشجعهم على الحفاظ عليه. فهي مستودع آمن لمؤونة العائلة، خاصة في سنوات الشدة.
تنثر “الكوارة” عطر القمح المخزن في كل أرجاء المنازل، وما زالت تذكر أصحابها بأيام الخير والبركة. معظم هذه “الكواير” مصنوعة من الطين المخلوط بالتبن، بناها سكان القرى لتكون مصدر غذاء لهم في الشتاء وملاذاً آمناً في أوقات الجفاف. عليها كتب الأجداد أبجدية إنتاج الخبز الذي يبدأ من الحقل مروراً بالكوارة وينتهي بتنور الخبز.

