من المزة إلى زقاق الجن.. تسميات لأحياء دمشقية تحكي تاريخاً لم يُدوَّن في الكتب
بين سوق قديم يحمل اسم حاكم عثماني، وحي يرمز لحرفة قديمة، وزقاق يكتنفه أساطير الجن، تتوارى في تسميات دمشق قصص تتخطى ما تقوله الشواهد، فخلف كل اسم إرث من زمن غابر، غزو ترك بصمته في المكان، أو جماعات جلبت أسماء أوطانها إلى سفوح قاسيون، أو حرف اندثرت وبقيت أصداؤها في أسماء الأحياء، ومن المزة إلى الميدان، ومن برج الروس إلى سوق ساروجة، تتحول خريطة العاصمة إلى سجل مفتوح، يمكن من خلاله تتبع حكايات مدينة لم تحفظ تاريخها في الكتب وحدها، بل تركت البعض منه على أبواب شوارعها.
تبدأ الحكاية من المزة، حيث تتضارب التفاسير حول اسم المنطقة التي كانت قرية قبل أن تمتد إليها دمشق الحديثة، ويقول المهندس باسل بسام إن بعض الروايات تربط الاسم بكلمة يونانية تعني “التل”، في إشارة إلى موقعها المرتفع، بينما تشير رواية شعبية أخرى إلى بساتين الصبار التي كانت تنتشر فيها، إذ اعتاد المارون تناول ثمارها ووصفها بأنها “مَزّة”، وبين التفسير اللغوي والحكاية الشعبية، يبقى الاسم شاهداً على مكان تبدلت معالمه مع اتساع المدينة.
ومن المزة إلى سفوح قاسيون، تتغير الحكاية من طبيعة الأرض إلى حركة البشر، فحي المهاجرين يستعيد، وفق ما يوضحه المهندس بسام، مرحلة وصول جماعات من المسلمين إلى دمشق في أواخر العهد العثماني، بعد مغادرتهم مناطق في البلقان وغيرها من المناطق، وبحسب الرواية المتداولة، أسكن والي دمشق حسين ناظم باشا قسماً منهم في السفوح، فحمل المكان اسم “المهاجرين”، وكأن التسمية احتفظت بذكرى الذين وجدوا فيه موطناً جديداً.
لكن بعض أسماء دمشق لا تستدعي حكايات الاستقرار، بل مشاهد أكثر قسوة، ففي كتابه “تيمورلنك وحكايته مع دمشق”، يتناول الباحث أكرم العلبي الرواية المرتبطة باسم برج الروس، التي تعيده إلى حملة تيمورلنك على المدينة سنة 803هـ، وتقول الحكاية إن الجنود أقاموا برجاً من رؤوس ضحاياهم لترهيب السكان، رواية بقيت حاضرة في الذاكرة، بما تحمله من مشهد دموي.
ومن أجواء الغزو إلى ميادين الحياة اليومية، يأخذنا اسم حي الميدان إلى زمن كانت فيه الأرض الواسعة ميداناً لسباقات الخيل. ويذكر الباحث التاريخي عماد الأرمشي في موسوعته “دمشق الشام” أن الحي عُرف سابقاً باسمي “ميدان الحصى” و”الميدان التحتاني”، وأن استواء أرضه واتساعها جعلاها مناسبة للسباقات، فيما ارتبطت تسمية “ميدان الحصى” بالحصى الذي حملته فيضانات فرعي بردى، القنوات والديراني، خلال سنوات المطر الغزير.
وفي الأسواق، لا تقل الأسماء قدرة على كشف التحولات، فسوق مدحت باشا، الممتد بين باب الجابية وسوق البزورية، كان يعرف باسم سوق جقمق، قبل أن يرتبط اسمه بوالي دمشق العثماني مدحت باشا، الذي شهد عهده توسعته في القرن التاسع عشر. وهكذا انتقل السوق من اسم إلى آخر، فيما بقيت وظيفته التجارية وشكله التقليدي جزءاً من ذاكرة دمشق القديمة، وفق ما يورده الأرمشي.
وإذا كانت أسماء بعض الأحياء تحفظ أسماء الحكام والأحداث، فإن زقاق الجن يترك الباب مفتوحاً أمام الخيال، ويقول براء مالك، أحد سكان المنطقة المجاورة لحي البرامكة، إن الروايات المحلية تربط الاسم بكثرة الأشجار والرياح والأصوات التي كانت تسمع ليلاً، ما عزز الاعتقاد بأن المكان مسكون بقوى خفية، واليوم، تبدلت صورة الزقاق، وأصبحت محاله معروفة ببيع قطع تبديل السيارات، لكن اسمه ما زال يستدعي حكايته الغامضة.
وعلى مقربة منه، يحمل حي البرامكة رواية مختلفة، إذ تربط بعض الحكايات اسمه بمقبرة قديمة ضمت قبور آل برمك، ومنهم جعفر البرمكي وأفراد أسرته، ويُقال إن المنطقة عُرفت في العهد الأموي باسم “صنعاء دمشق” أو “صنعاء الشام”، بعد استقرار جماعات يمنية فيها.
ولا تنفصل هذه الحكايات عن ذاكرة المهن والأحياء التي نشأت حولها، ففي القزاز، يشير عصام محمود، أحد سكان الحي، إلى روايات تربط الاسم بدود القز الذي يتغذى على أوراق التوت ويستخدم في إنتاج الحرير الطبيعي.
أما سوق ساروجة، فيحمل اسماً يربطه الباحثون بصارم الدين ساروجة، أحد قادة الأمير تنكز في العصر المملوكي خلال القرن الرابع عشر، قبل أن يتحول الحي إلى منطقة بارزة خارج أسوار المدينة.
وفي حي العمارة، تتقدم المعالم التاريخية لتروي جانباً آخر من ذاكرة المكان، ويشير الباحث التاريخي محمد فياض إلى ما يضمه الحي من معالم، بينها باب الفراديس، وضريح الظاهر بيبرس، والمكتبة الظاهرية، ومقام السيدة رقية، فضلاً

