القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

من المزة إلى زقاق الجن.. تسميات لمناطق في دمشق تروي ماضياً لم يوثقه التاريخ
أخبار المحافظات

من المزة إلى زقاق الجن.. تسميات لمناطق في دمشق تروي ماضياً لم يوثقه التاريخ

بين سوق أخذ اسم حاكم عثماني، وحي ارتبط بمهنة قديمة، وزقاق نسجت حوله قصص الجن، تختفي في أسماء دمشق حكايات تتجاوز ما تذكره اللافتات، فخلف كل اسم ذكرى من زمن مضى، غزو ترك أثره في المكان، أو جماعات حملت أسماء دولها إلى سفوح قاسيون، أو مهن تلاشت وبقيت صداها في أسماء الأحياء، ومن المزة إلى الميدان، ومن برج الروس إلى سوق ساروجة، تتحول خريطة العاصمة إلى سجل مفتوح، يتيح من خلاله استكشاف قصص مدينة حفظت تاريخها ليس فقط في الكتب بل على شوارعها.

من المزة إلى المهاجرين

تبدأ الحكاية من المزة، حيث تتجاور روايات متعددة لاسم المنطقة التي كانت قرية قبل أن تصل إليها دمشق الجديدة، ويقول المهندس باسل بسام إن بعض القصص تربط الاسم بكلمة يونانية تعني «الرابية»، في إشارة إلى موقعها المرتفع، بينما تشير حكاية شعبية أخرى إلى بساتين الصبار التي كانت تنتشر فيها، إذ كان المارة يتذوقون ثمارها ويصفونها بأنها «مَزّة». وبين التفسير اللغوي والقصة الشعبية، يبقى الاسم شاهداً على مكان تغيرت معالمه مع توسع المدينة.

ومن المزة إلى سفوح قاسيون، تتغير القصة من طبيعة الأرض إلى حركة البشر، فحي المهاجرين يعيد، وفق ما يوضحه المهندس بسام، مرحلة قدوم جماعات من المسلمين إلى دمشق في أواخر العهد العثماني، بعد مغادرتهم مناطق في البلقان وغيرها، وبحسب القصة المتداولة، وضع والي دمشق حسين ناظم باشا جزءاً منهم في السفوح، فحمل المكان اسم «المهاجرين»، وكأن التسمية احتفظت بذكرى الذين وجدوا فيه موطناً جديداً.

برج الروس والميدان

لكن بعض أسماء دمشق لا تستحضر حكايات الاستقرار، بل مشاهد أكثر قسوة، ففي كتابه «تيمورلنك وحكاياته مع دمشق»، يتناول الباحث أكرم العلبي القصة المرتبطة باسم برج الروس، التي تعيدها إلى حملة تيمورلنك على المدينة، وتقول القصة إن الجنود بنوا برجاً من رؤوس ضحاياهم لإرهاب السكان، قصة بقيت عالقة في الذاكرة، بما تحمله من مشهد دموي.

ومن أجواء الغزو إلى حياة الناس اليومية، يأخذنا اسم حي الميدان إلى زمن كانت فيه الأرض الواسعة ميداناً لسباقات الخيل. ويشير الباحث التاريخي عماد الأرمشي في موسوعته «دمشق الشام» إلى أن الحي كان معروفاً باسمي «ميدان الحصى» و«الميدان التحتاني»، وأن استواء أرضه واتساعها جعلاه مناسباً للسباقات، بينما ارتبطت تسمية «ميدان الحصى» بالحصى الذي جرفته فيضانات فرعي بردى خلال مواسم الأمطار الغزيرة.

سوق مدحت باشا وزقاق الجن

وفي الأسواق، لا تقل الأسماء قدرة على كشف التحولات، فسوق مدحت باشا، الممتد بين باب الجابية وسوق البزورية، كان يعرف باسم سوق جقمق، قبل أن يرتبط اسمه بوالي دمشق العثماني مدحت باشا، الذي شهد توسع السوق في القرن التاسع عشر. وهكذا انتقل السوق من اسم إلى آخر، بينما احتفظ بوظيفته التجارية وشكله التقليدي كجزء من ذاكرة دمشق القديمة.

وإذا كانت أسماء بعض الأحياء تحفظ أسماء الحكام والأحداث، فإن زقاق الجن يترك المجال للخيال، ويقول براء مالك، أحد سكان المنطقة القريبة من حي البرامكة، إن الحكايات المحلية تربط الاسم بكثرة الأشجار والرياح والأصوات التي كانت تُسمع ليلاً، ما عزز الاعتقاد بأن المكان مسكون بقوى خفية، واليوم، تبدلت صورة الزقاق، وأصبحت محاله مشهورة ببيع قطع تبديل السيارات، لكن اسمه ما زال يستحضر حكايته الغامضة.

البرامكة والقزاز وساروجة

وبالقرب منه، يحمل حي البرامكة قصة مختلفة، إذ تربط بعض الحكايات اسمه بمقبرة قديمة ضمت قبور آل برمك، ومنهم جعفر البرمكي وأفراد أسرته، ويُقال إن المنطقة كانت معروفة في العهد الأموي باسم «صنعاء دمشق»، بعد استقرار جماعات يمنية فيها.

ولا تنفصل هذه القصص عن ذاكرة المهن والأحياء التي نشأت حولها، ففي القزاز، يشير عصام محمود، أحد سكان الحي، إلى حكايات تربط الاسم بدود القز الذي يتغذى على أوراق التوت ويستخدم في إنتاج الحرير الطبيعي.

أما سوق ساروجة، فيحمل اسماً يربطه الباحثون بصارم الدين ساروجة، أحد قادة الأمير تنكز في العصر المملوكي خلال القرن الرابع عشر، قبل أن يتحول الحي إلى منطقة بارزة خارج أسوار المدينة.

ال


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك