القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

أنانية أم تضحية؟.. خط فاصل بين العطاء والإجهاد
مجتمع

أنانية أم تضحية؟.. خط فاصل بين العطاء والإجهاد

يتردد الإنسان كثيراً بين الدعوات المجتمعية المعاصرة التي تحث على ضرورة تقدير الذات أولاً، وبين ميله الطبيعي للإيثار الذي يجعله يمنح الحب والمساندة لأسرته ومن يحب حتى ينسى راحته وسط محاولاته لإسعادهم. فهل يعتبر هذا السخاء المفرط عقبة ونقطة ضعف، أم أنه جزء من شخصية المحب وطبيعته الأصيلة؟ وكيف يمكن للشخص أن يحقق التوازن بين حبه لذاته وحبه للآخرين؟

وفي هذا السياق، أفادت الأخصائية النفسية فايزة مصطفى حسن بأن احترام الذات يمثل من وجهة نظر علم النفس حجر الأساس للصحة النفسية، حيث يعبر عن قدرة الفرد على تقبل ذاته وحبها دون شروط. وأبرزت حسن أن التقدير الذاتي لا يعني تجاهل الآخرين أو محبتهم بدرجة أقل، بل يعتمد على توازن يجعلنا نحب الآخرين دون أن نمحي ذاتنا. موضحة أن تطبيق هذا الحب عملياً يتطلب وعياً عميقاً بالمشاعر من أجل التعبير عنها بوضوح، واستبدال الأفكار السلبية بأخرى إيجابية، وتقبل الأخطاء كفرص للتعلم بعيداً عن لوم الذات، بالإضافة إلى الرعاية الجسدية والنفسية، ووجود حدود واضحة بتعلم قول “لا”، وتخصيص وقت للأنشطة الشخصية دون الشعور بالذنب، والافتخار بكل إنجاز مهما كان صغيراً.

وتشير حسن إلى أن بإمكان الشخص أن يمنح الآخرين من فائض حبه، ليكون تواصله بذاته وبالآخرين صحياً ومتكاملاً، موضحة أن حب الذات لا يعني التوقف عن تقديم العطاء، بل يجعله أكثر قيمة وعمقاً. المشكلة تكمن عندما يصحب العطاء شعور بالاستنزاف والمرارة، وفقدان الذات بسبب استغلال المشاعر، أو عندما يصبح الهدف من العطاء هو الإرضاء الإجباري وشراء المحبة. وتوضح أنه عندما يتعرض الشخص للاستغلال ولا يقابل عطاؤه بالتقدير، فإن العطاء يتحول إلى سلوك ضار يعزز أنماطاً غير صحية مثل الإدمان أو العنف أو الاستغلال المالي، مما يجعل من الضروري التوقف عن هذا العطاء دون التوقف عن المحبة.

وفي تحليلها لأسباب استمرار الفرد في تقديم العطاء رغم الألم، أفادت حسن بأن هناك عوامل نفسية واجتماعية تلعب دوراً في ذلك؛ مشيرة إلى تأثير التربية والبرمجة الاجتماعية التي تربط “الطيبة” بالتضحية الزائدة، وترى أن قول “لا” عيب، بالإضافة إلى الخوف من الرفض إذا توقف العطاء. وأوضحت أن هذه السلوكيات تتغذى على اعتقاد الشخص بأن قيمته ترتبط بما يقدمه للآخرين، مما يدفعه للاستمرار في الاستنزاف.

وأشارت حسن إلى أن تقديم العطاء غالباً ما يكون أسهل بكثير من وضع حدود شخصية لحماية النفس، موضحة أن الضغوط المجتمعية والثقافية، إلى جانب التعاطف الزائد مع الآخرين، تشكل دوافع للبقاء في هذا النمط، حيث يهرب الفرد أحياناً من التعامل مع مشاعره وصراعاته بالانشغال بالآخرين. وختمت حسن حديثها بالتأكيد على أن التوقف عن العطاء الضار يحتاج إلى وعي ذاتي وعزيمة قوية ودعم نفسي واجتماعي، مشيرة إلى أهمية طرح سؤال محوري على النفس: هل أقدم العطاء لأنني أريد وقادر، أم أنني مضطر لذلك مما يستنزف طاقتي؟


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك