القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

الدلّال والشلاية.. حرفة تلاشت من شوارع دير الزور وبقيت مبادئها حاضرة في الذاكرة
مجتمع

الدلّال والشلاية.. حرفة تلاشت من شوارع دير الزور وبقيت مبادئها حاضرة في الذاكرة

في أسواق دير الزور القديمة، حيث تلتقي أصوات الباعة بصخب المتسوقين، كان صوت مميز يخترق الأزقة، معلناً عن طفل مفقود أو قطعة ذهبية ضائعة، مردداً نداءً يردده الجيران: «يا صلاة محمد، من رأى طفلاً يرتدي كذا، أو وجد مصاغاً، فليحضره إلى المسجد، وأجره على الله».

كانت هذه هي فترة «الدلّال والشلاية»، عندما كانت الأمانة قيمة متأصلة في المجتمع، وكان نداء واحد يكفي لتحفيز أهل الحي للبحث عن المفقود وإعادته إلى ذويه، في مشهد يظهر الروح الجماعية التي عرف بها المجتمع.

وفقاً للباحث زهير العلي، تعود جذور هذه المهنة إلى العهد العثماني، حين كان الدلّال، المعروف بحدة صوته وقدرته على إيصال ندائه إلى أبعد الأماكن، يتجول في الأحياء معلناً عن طفل ضائع أو مال مفقود. وتذكر الحكايات المحلية أسماء عدد من الذين عملوا في هذه المهنة، مثل خليف، الذي كان يحمل القرآن الكريم وينادي بعبارات دينية تستثير الشهامة والأمانة، فيما ارتبط اسما «فهمي» و«نجم الدين» بذاكرة تلك الفترة.

ومع مرور الوقت، تطورت طرق النداء، وانتقلت المهمة إلى المساجد ومآذنها، حيث كان يقوم مسؤولو الجوامع بالإعلان عن المفقودات بعد الصلاة، واصفين ملابس الطفل الضائع أو تفاصيل القطعة الذهبية والمبلغ المالي المفقود.

هذا التقليد استمر خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، عندما كان صوت المنادي يصل إلى المنازل والأسواق، ليصبح خبر الفقدان قضية يتعاون الجميع في حلها.

لم تقتصر المهنة على الرجال، بل ظهرت نساء اشتهرن بقوة أصواتهن وقدرتهن على التجوال بين الأحياء، وعُرفت الواحدة منهن باسم «الشلاية». وتروي السيدة خولة الخضر عن هذا الجانب من المهنة، مستحضرة اسم «هلالة الحلوة»، التي كانت تقيم في حي الحميدية، وتقول في ندائها: «أين من يذكر الله ويصلي على محمد، من عثر على ولد أو مصاغ، والحلوان خمس ورقات».

وفي ستينيات القرن الماضي، ظهر في حي الجبيلة أبو الشيخ، وهو رجل كفيف من معرة النعمان، إلى جانب العجيمي، ثم ذاع صيت الشيخ عبد الوهاب في دير الزور خلال السبعينيات. وكانت الأسواق، ولا سيما سوق الهال والسوق المقبي، من أبرز الأماكن التي يصدح فيها نداء الدلّالين والشلايات، وكانت الأطفال تتبعهم مرددة كلماتهم، فتنتقل أخبار المفقودات من شارع إلى آخر.

توضح الخضر أن نهاية هذه القصص كانت غالباً سعيدة، إذ يعود الطفل إلى أهله وسط البهجة والسرور، أو تعيد الأسرة مصاغها بعد التأكد من أوصافه وتفاصيله. وكان الأهل يقدمون للدلّال مكافأة لقاء جهده، فيما اعتاد البعض أداء هذه المهمة سعياً للأجر والثواب، دون انتظار مقابل.

لكن مع مرور الزمن، أثرت التغيرات على تفاصيل الحياة اليومية، ولم تعد المآذن والحناجر الوسيلة الوحيدة للبحث عن المفقودات. وتشير الخضر إلى أن انتشار مكبرات الصوت في المساجد، ثم تطور وسائل الإعلام والإعلان، ساهم في تراجع هذه المهنة، حتى جاءت الهواتف المحمولة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، لتقوم عملية البحث في فضاء رقمي تتداول فيه المجموعات صور المفقودات وأوصافها في دقائق.

بذلك، قلّ ظهور الدلّال والشلاية في شوارع دير الزور، وانقرضت المهنة بصورتها التقليدية، بعدما كانت جزءاً من المشهد اليومي وذاكرة المدينة الشعبية، غير أن جوهرها لم يختف تماماً، فقد تبدلت الوسائل من النداء في الأزقة والمآذن إلى الرسائل والمنشورات الإلكترونية، بينما بقيت الأمانة والتكافل وحرص الناس على إعادة المفقود إلى أهله قيماً تتجاوز الزمن، وتربط بين أحياء الماضي وفضاء الإنترنت اليوم.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك