تقييم في لحظات.. هل يُعتبر الذكاء الاصطناعي طبيب الغد أم تهديداً محتملاً؟
في وقت متأخر من الليل، شعر أبو فارس بآلام في صدره، فقرر استخدام هاتفه لفتح تطبيق متطور يعتمد على الذكاء الاصطناعي، وبدأ في إدخال الأعراض التي يعاني منها. خلال لحظات، حصل على إجابة تحتوي على احتمالات تشخيصية وتعليمات بدت مقنعة، ومع ذلك يبقى التساؤل المهم: هل يمكن لبرنامج تقني أن يفرّق بين نوبة قلق ومشكلة قلبية خطيرة دون إجراء فحوصات طبية أو مراجعة التاريخ الصحي للمريض؟ هذا السيناريو لم يعد ينتمي إلى الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً من واقع يتزايد فيه اللجوء لأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم العلامات المرضية وتفسير نتائج الفحوصات والاستعلام عن الأمراض والأدوية. وقد ساهم في انتشار هذه الأدوات سهولة الوصول إليها، وسرعة استجابتها، وانخفاض تكلفتها مقارنة ببعض الخدمات الطبية، فضلاً عن الخصوصية التي توفرها للمستخدمين عند طرح أسئلة قد يشعرون بالحرج من مناقشتها مباشرة مع الطبيب. لكن هذه السمات، على الرغم من أهميتها، تثير تساؤلات حول مدى دقة هذه التشخيصات وحدود الاعتماد على الخوارزميات، والمخاطر المحتملة عند استبدال الاستشارة الطبية المتخصصة بإجابات رقمية.
في هذا الإطار، يوضح الدكتور أحمد رامي، خبير جراحة القلب، أن الذكاء الاصطناعي يوفر إمكانات واعدة في المجال الصحي، حيث يمكنه تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية والمساعدة في تفسير صور الأشعة ورصد مؤشرات تدل على وجود أمراض معينة، إلى جانب تبسيط المصطلحات الطبية وتقديم معلومات عامة عن التغذية والنشاط البدني وطرق الوقاية. وقد عززت هذه الإمكانيات نتائج عدة دراسات تناولت استخدام أنظمة متخصصة في مهام طبية محددة، مثل المساعدة في اكتشاف بعض حالات سرطان الثدي وتحسين رصد الأورام الغددية خلال تنظير القولون. وتكتسب هذه التطبيقات أهميتها من قدرتها على دعم عمل المختصين وتعزيز فرص اكتشاف بعض الحالات، بشرط إخضاعها لاختبارات طبية دقيقة والتحقق من فعاليتها وسلامتها في البيئات التي تستخدم فيها. ومع ذلك، يشدد الدكتور رامي على أن النجاح في تفسير صورة طبية أو اكتشاف نمط معين لا يعني أن النظام أصبح قادراً على تشخيص جميع الحالات المرضية. فالتشخيص الطبي عملية متكاملة، تتطلب أكثر من مجرد الأعراض التي يصفها المريض، فهي تحتاج إلى الفحص السريري ومراجعة التاريخ الطبي والعائلي، وتقييم الأدوية المستخدمة.
ولا تقتصر التحديات على محدودية المعلومات المتاحة للنظام، بل تتعدى إلى احتمالية تقديمه إجابات غير دقيقة بصياغة تبدو واثقة ومنظمة. يُعرف هذا السلوك في بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية بـ”الهلوسة”، ويعني إنتاج معلومات تبدو معقولة لكنها قد تكون خاطئة أو غير مستندة إلى أدلة كافية. ويحذر الدكتور رامي من أن مثل هذه الأخطاء قد تكون لها عواقب صحية مباشرة، حيث قد يطمئن المريض لتفسير غير صحيح لأعراضه أو يتناول دواءً بناءً على نصيحة قد لا تراعي تاريخه المرضي أو الأدوية الأخرى التي يستخدمها.
أمام هذه التحديات، يطرح طارق الجاسم، الخبير في الحاسوب وتقنية المعلومات، تساؤلاً حول إمكانية استبدال الذكاء الاصطناعي للطبيب. ويرى أن العلاقة بين الطرفين أقرب إلى التكامل منها إلى المنافسة، فالأنظمة الذكية قادرة على تحليل البيانات واكتشاف الأنماط وتقديم مؤشرات مساعدة، بينما يظل الطبيب مسؤولاً عن تقييم الحالة في سياقها الكامل، وموازنة الخيارات العلاجية، ومناقشة المريض بشأنها، ومتابعة الاستجابة للعلاج. ويؤكد الجاسم أن الاستفادة من التكنولوجيا تتطلب استخدامها بوعي مع التحقق من مخرجاتها وفهم حدودها، وضمان حماية المعلومات الصحية.
ومع استمرار تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، يبدو أن مستقبل الطب لن يتحدد بقدرة الآلة على منافسة الطبيب، بل بكيفية توظيفها لدعم عمله، فالخوارزميات قد تساعد على اكتشاف مؤشرات يصعب رصدها وتسريع تحليل البيانات وتوسيع فرص الوصول للمعلومات الطبية، لكنها لا تضمن بمفردها تشخيصاً صحيحاً. في النهاية، لا تُقاس قيمة الذكاء الاصطناعي في الطب بسرعة الإجابة أو مدى إقناع صياغتها، بل بدقة النتائج وسلامة استخدامها وقدرتها على تحسين رعاية المرضى في إطار واضح من الرقابة والمسؤولية وحماية الخصوصية.

