السنجقدار .. عندما يتحول النزل الشعبي إلى إرث عائلي للأجيال في دمشق
زياد، القادم من ريف حلب، يضع حقيبته الصغيرة في غرفة بسيطة في أحد فنادق حي السنجقدار بدمشق، قبل أن يتجه نحو عيادة طبية قريبة. لم يكن اختياره للمكان اعتباطياً، فمنذ حوالي عشر سنوات أصبح يعتاد على النزول في نفس الفندق، متبعاً خطى والده الذي سبقه إليه. وهكذا أصبحت الإقامة في هذا الفندق تقليداً عائلياً يتوارثه الأبناء. لا يبحث زياد عن خدمات فندقية مترفة، بل يبحث عن سرير بسعر مناسب وموقع يوفر عليه عناء التنقل إلى مقصده، خاصة في مدينة تصعب فيها حركة التنقل، حيث يصبح القرب من العيادة أو السوق أو الجهات الحكومية عاملاً حاسماً في اختيار مكان الإقامة، تحديداً للذين يأتون من المحافظات ويضطرون للبقاء لأيام لتنفيذ مهامهم. هذه واحدة من الأسباب التي تفسر استمرار فنادق السنجقدار في استقطاب الزائرين، ولكنها ليست الحكاية الوحيدة في حي تتداخل فيه اهتمامات المسافرين مع حركة التجارة والعمل.
وائل العطوة، صاحب محل في سوق السنجقدار، يروي أن موقع الحي يعطيه أهمية متميزة بسبب قربه من ساحة المرجة وسوق الحميدية، بالإضافة إلى سهولة الوصول منه إلى قصر العدل والعديد من المرافق الأساسية. المكان يستقبل الوافدين لمراجعة الأطباء أو متابعة الأوراق أو التسوق أو السعي وراء فرص عمل، بينما يلجأ آخرون إلى مقاهيه الشعبية للراحة وانتظار مواعيدهم. الفنادق تكتسب قيمتها من أسعارها المعتدلة نسبياً مقارنة بالفنادق السياحية، ومن الزبائن المتوارثين لها عبر الزمن. علاء الدين خضر، القادِم من الرقة، يشير إلى أن المنطقة تجذب العديد من المحافظات الشرقية والشمالية، مثل أرياف حلب وإدلب والرقة ودير الزور والحسكة، حيث يبحث الناس عن إقامة تُمكنهم من تخفيض مصاريف رحلاتهم. وبعد تكرار الزيارات، تتحول أسماء بعض الفنادق إلى عناوين معروفة بين الأقارب والمعارف، ليعود الأبناء إلى الأماكن التي كان ينزل فيها آباؤهم.
في مكان قريب من الفنادق، يظهر جانب آخر للسنجقدار في سوق الكهرباء، حيث تتجمع محلات بيع الأدوات الكهربائية وقطع التركيب والصيانة، ويشير حسان، صاحب محل للتجهيزات الكهربائية، إلى أن السوق يستقطب الأهالي والفنيين والتجار الباحثين عن مستلزمات المنازل والورش.
في حين أن تفاصيل الحي، بما فيها المحلات والمقاهي والفنادق، تبدو بسيطة، إلا أنها تساهم في تشكيل هوية الحي الضرورية لحياة المدينة. أما اسم “السنجقدار”، فهو يعود إلى لقب تاريخي يعني حامل الراية السلطانية. في السنجقدار، لا يقتصر الأمر على تقديم غرفة لمسافر أو قطعة كهربائية لفني، بل إن الحي يلعب دوراً يومياً في ربط القادمين إلى دمشق بهدفهم، ويوفر لهم مكاناً قريباً بتكاليف أقل. وقد يكون هذا السبب الذي يدفع الأبناء إلى وراثة أسماء الفنادق، بالإضافة إلى وراثة طريق مألوف إلى العاصمة.

