الاستهزاء باللهجات.. تهكم يبدد ثقة الطفل بذاته
تعاني فئة من الأطفال من التنمر والسخرية بسبب تباين لهجاتهم، خاصة عند الانتقال إلى محيط جديد يختلف في نبرة الكلام والمفردات، مما يجعلهم يفضلون الصمت والابتعاد عن المشاركة، أو حتى تغيير أسلوب حديثهم لتجنب الرفض، وهذا يؤثر على ثقتهم بأنفسهم وانتمائهم، وهنا يبرز الدور الحيوي للأسرة والمدرسة في تعزيز احترام الاختلاف وحماية الأطفال من النتائج النفسية والاجتماعية لهذه السلوكيات.
## تحديات التكيف
واجه الطفل أحمد المصطفى، الذي انتقل مع عائلته من ريف حلب إلى طرطوس، تحديات في التكيف مع زملائه بسبب اختلاف نطقه، إذ قام بعض التلاميذ بتقليد طريقته في الكلام وسخروا منه باستمرار. ومع تكرار هذه المواقف، أصبح أحمد يتجنب الرد على أسئلة المعلم، حتى عندما يكون متأكداً من الإجابات، خوفاً من أن يكون موضع استهزاء، وتقلّصت رغبته في المشاركة في الأنشطة الجماعية، مفضلاً العزلة خلال فترات الراحة.
## تغيير اللهجة للانخراط
بدورها، واجهت الطفلة علياء المحمود السخرية بسبب استخدام كلمات دارجة في منطقتها تختلف عن تلك المتداولة في محيطها الجديد، فأوضحت أنها حاولت في البداية التغاضي عن التعليقات، لكنها بدأت تدريجياً في تغيير طريقتها في التحدث لتفادي لفت الأنظار إلى اختلافها. بمرور الوقت، أصبحت تشعر بالخجل عند الحديث أمام أصدقائها، وصارت تراقب كلماتها خشية أن تتعرض للتقليد أو الضحك، مما أثر على راحتها في التواصل مع الآخرين.
## التنمر ليس مزاحاً عابراً
تؤكد المرشدة النفسية يارا عيسى أن التنمر المرتبط باللهجة ليس مجرد فكاهة عابرة، بل تصرف يمكن أن يؤثر على شعور الأمان والانتماء لدى الطفل، خاصة عندما يشعر الطفل بالرفض بسبب هويته وبيئته الأسرية. وتؤكد أهمية الاستماع للطفل دون التقليل من مشاعره أو التهاون في ما يتعرض له، ومساعدته في التعبير عن تجربته، مع تعزيز ثقته بنفسه وتذكيره بأن اختلاف اللهجات شيء طبيعي لا يقلل من قيمة الفرد.
وتشير إلى أن المدرسة تتحمل مسؤولية وضع قواعد واضحة لمواجهة التنمر، وتوعية الطلاب بأهمية احترام التنوع، والتدخل مبكراً عند ملاحظة أي سلوك ينطوي على السخرية أو العزل، بجانب توفير الدعم النفسي والتربوي للأطفال المتضررين. تشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة يتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع، من خلال تعليم الأطفال منذ نعومة أظفارهم أن اختلاف الأساليب اللغوية لا يعكس التفوق أو القصور، وأن لكل لهجة قيمتها الثقافية والاجتماعية، مؤكدة على ضرورة استماع الأهل لأبنائهم عند تعرضهم للسخرية، وتجنب تحميلهم المسؤولية أو مطالبتهم بتغيير لهجاتهم لإرضاء الآخرين، فضلاً عن تنظيم أنشطة مدرسية تدعم التنوع اللغوي والثقافي وتعزز احترام الاختلاف.
## التنوع مصدر قوة
تشير عيسى إلى أن آثار التنمر المتعلق باللهجات قد تتعدى الحرج أو الشعور بالحزن، فقد تؤثر على ثقة الطفل بنفسه وعلاقاته الاجتماعية وقدرته على المشاركة بحرية، لذا، فالتعامل مع هذه الظاهرة يبدأ بترسيخ ثقافة الاحترام وتقبل التنوع، وتوفير بيئة مدرسية آمنة يشعر فيها كل طفل بالقبول دون التخلي عن هويته. فاللهجات جزء من التنوع الثقافي والاجتماعي الذي يثري المجتمع، ولا يجب أن تكون سبباً للسخرية أو العزل. وحينما يتعلم الأطفال احترام اختلافاتهم، تصبح المدرسة مكاناً للاندماج والتفاهم، لا مكاناً يخشى فيه الطفل الحديث بصوته الطبيعي.

