القامشلي

منذ ١٩٩٩ مستمرون

بعد انتهاء الخدمة.. كيف يشغل الشخص كل هذه الساعات؟
مجتمع

بعد انتهاء الخدمة.. كيف يشغل الشخص كل هذه الساعات؟

الحرية – بقلم رنا الحمدان:

يترقب العديد من العاملين فترة التقاعد من أجل الاسترخاء بعد سنوات من الضغط والعمل، والاعتماد على معاش تقاعدي يعينهم فيما تبقى من حياتهم، ولكن هناك من يخافون شعور الفراغ الذي قد يصاحب أيامهم بعد انتهاء الخدمة، لذا يصبح السعي وراء هدف جديد ضرورياً لاستعادة التوازن والشعور بقيمة الحياة.

مع اليوم الأول بعد التقاعد، قد ينهض الشخص في موعده المعتاد، يتفقد الساعة، لكنه يتذكر أنه لم يعد يحتاج للاندفاع نحو وظيفة تنتظره. قد تبدو هذه اللحظة مريحة من الوهلة الأولى، لكنها قد تثير تساؤلاً لم يفكر فيه كثيراً خلال سنين العمل: كيف سأملأ كل هذا الوقت؟

غياب روتين العمل

تعتبر المعلمة المتقاعدة سعاد محمد أن التقاعد يعد تحولاً جذرياً في حياة الإنسان، خاصة لمن كانت حياته مرتبطة بعمل يمنحه شعوراً بالإنجاز والتواصل اليومي. تقول إن التحدي ليس فقط في غياب العمل، بل أيضاً في فقدان تفاصيل كانت تضيف لليوم إيقاعاً ومعنى، من لقاء الزملاء إلى إحساس أن هناك من ينتظر جهده. وتشير إلى أن التقاعد يمكن أن يكون فرصة لإحياء هوايات مؤجلة، والتقرب من العائلة، وتخصيص وقت للقراءة والأنشطة التي لم يكن الوقت يسمح بممارستها في السابق. فالتقاعد برأيها لا يعني نهاية العطاء، بل إمكانية ممارسته بطرق مختلفة.

من الفراغ إلى اكتشاف الذات

ويشير المتقاعد يوسف ديب إلى أن أكبر تحدٍ بعد التقاعد هو التكيف مع حياة لم يعد فيها جدول يومي يفرض مواعيده والتزاماته. ويؤكد أن ترك الأيام تمر بلا غاية قد يجعلها تتشابه، ويزيد الإحساس بالملل، بينما يساعد وضع برنامج بسيط يتضمن المشي والزيارات الاجتماعية والاهتمامات الشخصية على استعادة النشاط والتوازن. ويرى أن المتقاعد ليس مطالباً بالانشغال الدائم أو البحث عن إنجازات كبيرة لإثبات قيمته، بل العثور على ما يجعله يستقبل يومه برغبة وسعادة. فقد تكون متعة المرحلة الجديدة في لقاء صديق قديم، أو قضاء وقت مع الأبناء والأحفاد، أو ممارسة هواية تم تأجيلها لفترة طويلة.

الدعم الاجتماعي يحدث الفارق

من جهتها، تشير المرشدة الاجتماعية مروة أحمد إلى أن التقاعد قد يأتي مصحوباً بشعور بفقدان الدور أو تراجع التواصل الاجتماعي، خاصة إذا كانت العلاقات اليومية مرتبطة بالعمل أساساً. وتؤكد على أهمية الاستعداد لهذه المرحلة قبل وصولها، من خلال بناء اهتمامات خارج نطاق الوظيفة، والحفاظ على الصداقات، والمشاركة في الأنشطة التطوعية والثقافية، وتعلم مهارات جديدة تتناسب مع قدرات الشخص وميوله. وتبين أن للعائلة دور مهم في دعم المتقاعد، من خلال إشراكه في الحياة اليومية واحترام استقلاليته، دون افتراض أن وقته أصبح متاحاً دائماً لتلبية احتياجات الآخرين أو العناية بالأحفاد. وتضيف أن استمرار الحزن أو العزلة أو فقدان الرغبة في الأنشطة يستوجب الاهتمام، وقد يتطلب اللجوء إلى مختص، بدلاً من اعتبار هذه المشاعر أمراً طبيعياً لا يمكن تغييره.

حياة لا تنتهي بانتهاء الوظيفة

وتضيف أحمد قائلة: «لا يحتاج التقاعد السعيد إلى جدول مزدحم أو خطط كبيرة، فقد يبدأ بخطوة بسيطة، كالمشي صباحاً، أو قراءة كتاب، أو زيارة صديق، أو الانضمام إلى نشاط اجتماعي. المهم أن يحتفظ الإنسان بأسباب تدفعه إلى الحركة والتواصل والتطلع إلى يوم جديد». فالتقاعد ليس نهاية دور الإنسان، بل نهاية مرحلة مهنية وبداية مساحة مختلفة من الاختيارات. وربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا يفعل الإنسان بكل هذا الوقت بعد التقاعد؟ بل: كيف يمنح الوقت الذي أصبح ملكه معنى يستحق أن يعاش؟ فبعد سنوات قضاها الإنسان في أداء واجباته تجاه العمل والأسرة والمجتمع، قد تكون هذه فرصته ليمنح نفسه نصيباً من الحياة التي طالما أجلها.


اشترك بالإعلام الفوري بالاخبار الجديدة بالإيميل .. ضع بريدك