عندما يسود الهدوء.. ما سبب تحول أحاسيس الأفراد وانكماش روح التآزر في حياتنا العادية؟
في خضم الحياة الحضرية، ظهر رجل مسن على عتبة حافلة يبحث عن المساعدة، لكنه واجه معاملة شديدة من السائق. لم يكن يبحث عن مال، ربما كان يتطلع لكلمة لطيفة، وملابسه البالية كانت دليلاً على وضعه. عندما تحركت الحافلة، كاد أن يسقط دون أي اهتمام من المحيطين.
المؤسف في الموقف لم يكن المعاملة وحدها، بل الصمت الذي أعقبها. لم يتحرك أحد من الحاضرين لمساعدته، مما جعل الصمت جزءاً من المشكلة، حيث يصبح فعلاً عادياً في غياب الدعم.
المشهد لا يتوقف عند تصرف فردي، بل يثير تساؤلات حول تغير الضمائر في ظل ضغوط الحياة، ولماذا يتجاهل الناس من هم في حاجة.
تُعرف الأخصائية النفسية فاطمة البارودي هذه الحالة بـ”تأثير المتفرج”، حيث تتراجع فرص الدعم في وجود آخرين بسبب تشتت المسؤولية والتبلد العاطفي. هذا التبلد يخفي الشعور بالألم ويعمل كآلية دفاعية.
توضح البارودي أن هذا ليس انهياراً أخلاقياً مفاجئاً بل نتيجة لتكيفات مجتمعية، حيث يتحول الإطفاء العاطفي الذي بدأ كوسيلة نجاة إلى عادة تفقد المجتمع قيمه على المدى الطويل.
تشير البارودي إلى أن المجتمعات التي مرت بأزمات طويلة قد تدخل في حالة انسحاب نفسي، تتركز على الصمود اليومي في مواجهة الأزمات الاقتصادية، لتصبح المساعدة استثناءً.
ومع ذلك، تظل لدى المجتمع قيم من الكرم والتكافل يمكن إحياؤها بتحسن الظروف.
تشدد البارودي على أن استعادة التعاطف تبدأ من تفعيل الممارسة الإيجابية ونماذج العمل الخيري، وتحتاج إلى إعلام يشجع القيم الإيجابية.
تختتم البارودي بأن التعافي يبدأ بقرارات صغيرة تعيد التفاعل الإنساني إلى الواجهة، وتحويل الشفقة إلى سلوك يومي، حيث أن الصمت أمام القسوة هو مشاركة ضمنية في نشرها.

